يونيو 5, 2026

أرقام صادمة لرواتب البرلمان

أرقام صادمة لرواتب البرلمان: 12 ألف موظف أم 3 آلاف؟ صراع الأرقام يكشف ثقوب الموازنة

اثارت تصريحات الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي التي قال فيها، ان عدد العاملين في مجلس النواب والهيئات المرتبطة به يبلغ 12,480 موظفا وأنهم يكلفون الدولة أموالا طائلة، ضجة كبيرة، وفيما يقول مجلس النواب أن موظفي المجلس “أقل من ربع الرقم المذكور”، يقول المواطنون انه،  حتى إذا كان العدد هو ربع المذكور أي 3000 منتسب، فإنه عدد كبير ولا داعي له في مؤسسة تشريعية وان تكاليفه المالية ليست قليلة؛ كما يشير المراقبون إلى الاسماء الوهمية المتكاثرة منذ اكثر من عقدين،  التي تؤخذ عنها رواتب لأسماء تتواجد ضمن العدد في اضابير تعيين لأشخاص غير متواجدين فعلا، في الوقت الذي تنتشر البطالة بين الخريجين والسكان.. فكيف يحدث ذلك في بلد يعاني اصلا من أزمة مالية، وهل ان البرلمان بحاجة إلى تلك الأعداد الضخمة من الموظفين؟ يوضح المرسومي ان ذلك العدد الضخم من الموظفين يتقاضون اموالا هائلة تكلف خزينة الدولة نحو   551.202 مليار دينار كتعويضات لموظفي البرلمان وعشرات مليارات الدنانير تتوزع على المستلزمات الخدمية والسلعية وصيانة الموجودات والإعانات والفوائد والمصروفات الأخرى والالتزامات والمساهمات الخارجية والرعاية الاجتماعية، والنفقات الرأسمالية، ليصل إجمالي الإنفاق إلى 618.253 مليار دينار. 

ان التساؤل يلمس جوهر الأزمة الإدارية والمالية التي يعاني منها الجهاز الحكومي في العراق، وتحديدا فيما يتعلق بـتضخم الجهاز الوظيفي وآليات التوظيف التي تبتعد في كثير من الأحيان عن معايير الحاجة الفعلية والكفاءة.

المشكلة تتعلق ايضا بالأسماء الوهمية (الفضائيين) التي أكد عليها حتى رؤساء وزراء سابقين، وهي عرض لمرض أكبر يتمثل في استغلال التوظيف كأداة للكسب السياسي أو الترضية بدلا من كونه أداة لتقديم الخدمات، ما أدى الى تضخم الأعداد على مر الدورات الانتخابية من دون حاجة حقيقية.

 وفي النظام السياسي القائم على المحاصصة، ينظر إلى المؤسسات العامة كمغانم يجري فيها تعيين المحاسيب والأتباع، مما يؤدي إلى تضخم هيكلي لا تفرضه حاجة العمل، بل تفرضه ضرورات الترضية الحزبية، وان استمرار الاعتماد على الأضابير الورقية والأنظمة التقليدية هو الذي يسمح ببقاء الأسماء الوهمية. لو جرى ربط الرواتب بنظام بيومتري مركزي صارم وشفاف، لتبخرت معظم هذه الأسماء التي تتقاضى رواتب من دون عمل.

من وجهة نظر إدارية، المؤسسة التشريعية (البرلمان) هي مؤسسة عقلانية لا خدمية، أي أنها بحاجة الى مستشارين وخبراء في القانون، والاقتصاد، والأمن بعدد محدود ومؤهل، مع ملاك إداري لتسيير الجلسات وحفظ الأرشيف، و   الأعداد المذكورة، سواء صدق رقم الـ 12 ألفا أو كان ربع ذلك، تشير بوضوح إلى تحول البرلمان من مؤسسة تشريعية إلى مؤسسة توظيفية، فالبرلمان لا يدير قطاعات إنتاجية بحاجة لجيوش من العمال والموظفين، بل هو مؤسسة لصناعة القرار، وان الاستمرار في الإنفاق على هذا النمط من التوظيف في ظل بلد يعاني من تذبذب أسعار النفط، المصدر الوحيد تقريبا للموازنة، هو انتحار اقتصادي، وذلك لعدة أسباب، من ذلك ان النسبة الأكبر من الموازنة العراقية تذهب للرواتب، ما يترك نسبة شحيحة للاستثمار، وهذا يفسر توقف المشاريع والبنية التحتية، و عندما توفر الدولة وظائف غير منتجة برواتب مضمونة، فإنها تقتل روح الابتكار والمبادرة لدى الشباب، وتدفعهم لانتظار التعيين الحكومي بدلا من دخول القطاع الخاص.

ما يحدث ليس وليد الصدفة، بل هو استراتيجية بقاء للنظام السياسي الحالي، فالموظف الذي يتقاضى راتبا من الدولة حتى من دون عمل، يصبح رهينة للنظام القائم ويشكل قاعدة انتخابية مضمونة، وان أي محاولة لتدقيق أعداد الموظفين أو حذف الوهميين تصطدم بمقاومة عنيفة من القوى التي تستفيد من هذه الرواتب الموزعة في جيوب أتباعها، ولو كانت بيانات الموظفين متاحة للجمهور ومفهرسة إلكترونيا، لما احتاج المواطن أو الخبير إلى التخمين أو التشكيك.

إن المقارنة بين الهياكل الإدارية للبرلمانات في الدول الديمقراطية المتقدمة وبين الوضع في العراق تكشف فجوة كبيرة في مفهوم الوظيفة العامة ومعايير الكفاءة، ففي البرلمانات العالمية يتواجد “عقل” لا كتلة بشرية. في الدول الديمقراطية، ينظر إلى البرلمان على أنه مؤسسة عقلانية تخصصية، وتعتمد في عملها على عدد محدود من الموظفين النوعيين (خبراء، قانونيين، باحثين) وليس على الكم العددي.

  تشير التوصيات الدولية إلى أن البرلمانات بحاجة إلى هياكل إدارية رشيقة لدعم النائب في أبحاثه التشريعية وصياغة القوانين، وقد ظهرت في تقارير سابقة توصيات بأن المؤسسات التشريعية ليست بحاجة لأكثر من 500 إلى 800 موظف ـ حتى في البلدان كثيفة السكان ـ من الملاكات التخصصية العالية لتقديم دعم حقيقي للأعضاء؛ و الموظف في البرلمانات الغربية هو مساعد باحث أو خبير قانوني أو محلل سياسات، أما في السياق العراقي الذي يثير الجدل فإن جزءا كبيرا من الملاكات سواء كانوا بضعة آلاف أو أكثر يتركزون في وظائف إدارية، خدمية، أو أمنية، مما يخرج المؤسسة عن دورها التشريعي الصرف.

وفي ظل غياب قطاع خاص قوي، أصبح البرلمان بما يمتلكه من ميزانية مستقلة وقدرة على التوظيف هدفا للتعيينات التي تأتي من كتل سياسية، بغض النظر عن الحاجة الفعلية.   وبدلا من تواجد مكتبة برلمانية رقمية وفرق بحثية صغيرة وقوية، تجد أعدادا كبيرة في وظائف إدارية مكررة، وان تواجد الأسماء الوهمية (الفضائيين)، او من يتقاضون رواتب من دون عمل، يضخم الأرقام بشكل لا يمت بصلة لأي هيكل إداري وظيفي عالمي. في الدول المتقدمة، نظام الرواتب “الكتروني” بالكامل ومرتبط بـساعات عمل فعلية ومخرجات محددة؛ أي أن غياب الموظف يعني ببساطة توقف راتبه فورا.

 ان المسؤولين لدينا، يخشون من الضغط الشعبي وحتى من فضحهم من على منابر الفيسبوك مثلا، ولكنهم سيحاولون قدر الإمكان التشبث بالوضع الحالي الذي يديم لهم ممارسة الفساد الاداري والمالي، وبعض السكان يفسرون الازمات المتلاحقة في هذه الأيام وآخرها أزمة البنزين وقبلها ازمة غاز الطبخ وارتفاع الأسعار، أنها جاءت بتأثير المسؤولين الفاسدين لصرف الأنظار عن فسادهم، لاسيما مع اتخاذ الحكومة الجديدة بضعة إجراءات ضد الفاسدين ومن ذلك إعفاء وكيل وزارة النفط بسبب اتهامات الفساد وكذلك المتحدث باسم وزارة النفط.

إن هذا ليس مجرد صدفة إدارية، بل هو جزء من تشتيت الانتباه اذ يجري افتعال أزمات خدمية يومية لإغراق الناس في صراع البحث عن لقمة العيش أو البنزين أو الكهرباء، ليجدون أنفسهم غير قادرين على التفرغ لمراقبة ملفات الفساد الكبرى أو المطالبة بالإصلاح الهيكلي. و عندما تبدأ الحكومة بإجراءات فعلية مثل الإعفاءات الأخيرة في وزارة النفط، فإن رد الفعل الاعتيادي للمنظومات المتضررة يكون بإشغال الشارع، بتعمد تعطيل تدفق الوقود أو التأثير على توزيع الموارد فيخلقون حالة من الاحتقان الاجتماعي الذي يوجه غضب الناس نحو “الحكومة ككل” بدلا من تسليط الضوء على “المفسدين المحددين” الذين أُعفوا أو تضرروا من تلك القرارات.