شفق نيوز- بغداد

تشهد بغداد ومحافظات عراقية أخرى تظاهرات متكررة للمطالبة بالتعيين والتثبيت وتحسين الحقوق الوظيفية والمهنية، بمعدل يقترب من ثلاث إلى أربع تظاهرات أسبوعياً، إلا أن استمرار الاحتجاجات من دون نتائج واضحة يطرح تساؤلات بشأن فاعلية التظاهر كوسيلة للضغط على الحكومة، وما إذا كانت هذه الوسيلة قد فقدت جزءاً من ثقلها السابق.

في 18 أيار/مايو 2026، خرج نحو خمسة آلاف من الخريجين القدامى في تظاهرة كبيرة للمطالبة بالتعيين، أعقبتها احتجاجات لخريجي الشهادات العليا في أواخر حزيران/يونيو، ثم تظاهرات للأطباء المقيمين الدوريين وخريجي المهن الطبية، فضلاً عن احتجاجات أخرى للخريجين القدامى وموظفي العقود المطالبين بالتثبيت على الملاك الدائم، وغيرها من المظاهرات التي وصلت في بعض الحالات إلى حد الاحتكاك مع قوات الشغب وإصابة عدد من المحتجين من مختلف الفئات.

يقول ممثل الخريجين القدامى حيدر علي كاظم، لوكالة شفق نيوز، إن “الحكومة الحالية استجابت لمطالبهم بعد ثلاث تظاهرات، واجتمعت مع ممثلي المحتجين، لكنها لم تحدد سقفاً زمنياً لإنهاء الملف”.

ويضيف أن “المحتجين سينتظرون لفترة محددة، لكنها لن تكون طويلة، وفي حال عدم ظهور حلول واضحة لقضيتهم، فإنهم سيعودون إلى التظاهر، وربما الاعتصام ووسائل احتجاج أخرى”.

ويشير كاظم إلى أن التظاهرة الأخيرة كانت الخامسة منذ انطلاق حراك الخريجين القدامى، والثالثة خلال حكومة الزيدي، مبيناً أن المحتجين كانوا يعرفون أن ملفات التعيين في الحكومات السابقة شابها الفساد وبيع الدرجات الوظيفية، لكنهم يأملون أن تكون الحكومة الحالية مختلفة في هذا الملف، ولا سيما مع حديثها عن مكافحة الفساد.

ويقدر أعداد الخريجين القدامى بنحو 150 ألف شخص، مبيناً أن بعضهم اقترب من السن القانونية للتقاعد، ولا يزال يبحث عن الاستقرار الوظيفي.

ضغط أم حل مؤقت؟

ويرى أستاذ العلوم السياسية قاسم الربيعي أن التظاهر والاحتجاج أصبحا من الوسائل التي يلجأ إليها المواطنون نتيجة ما وصفه بالفشل البنيوي في منظومة النظام السياسي وأداء المؤسسات الحكومية، التي لم تعتمد العدالة الاجتماعية والاقتصادية في توزيع الثروة وأدواتها، ومنها التعيينات.

ويضيف الربيعي، في حديث لوكالة شفق نيوز، أن “التظاهر أصبح الأداة الأنجع للمطالبة بالحقوق، خصوصاً أن النظام السياسي مر خلال فترة ثورة تشرين وما تلاها بحالة من التهديد وعدم الاستقرار، الأمر الذي دفع أجهزة الدولة إلى الاستجابة لمطالب المتظاهرين، سواء كانت عامة أو فئوية، لتتحول التظاهرات تدريجياً إلى وسيلة للحصول على الحقوق في ظل غياب التخطيط والعدالة في توزيع الفرص”.

ويلفت إلى أن “استقرار الوضع الأمني وتراجع مستوى الضغط الذي تمارسه المظاهرات، إلى جانب تراجع قدرة الدولة على تلبية المطالب التي يتركز جزء كبير منها على التعيينات أو يحتاج إلى تخصيصات مالية، جعلت الاستجابة للاحتجاجات محدودة، إن لم تكن معدومة”.

ويرجح الربيعي، أن استمرار غياب التخطيط القائم على العدالة في توزيع الفرص يجعل المواطن بحاجة إلى وسائل ضغط أخرى أكثر تأثيراً، من بينها الإضراب أو الامتناع المنظم عن العمل ضمن الحدود القانونية، ولا سيما بالنسبة إلى الموظفين والنقابات، فضلاً عن المقاطعة الاقتصادية المنظمة لبعض السلع أو الخدمات عندما تكون مناسبة ومشروعة، واللجوء إلى القضاء والطعن في القرارات والإجراءات المخالفة للقانون.

ويشير إلى أهمية الضغط البرلماني والإعلامي من خلال تحويل المطالب إلى ملفات رقابية وتشريعية محددة، إلى جانب دور النقابات والاتحادات المهنية والطلابية باعتبارها قنوات ضغط أكثر استدامة من التجمعات العفوية.

ويتابع أن “استخدام هذه الوسائل مجتمعة يمكن أن يسهم في الوصول إلى دولة مؤسسات تقوم على المواطنة واحترام الهوية الوطنية، من خلال العدالة والمساواة أمام القانون، بعيداً عن التمييز على أساس الحزب أو القومية أو غيرهما، الأمر الذي من شأنه تقليل أسباب التظاهر والاحتجاج بشكل عام”.

من جانبه، يرى مدير المرصد العراقي لحقوق الإنسان مصطفى سعدون أن الحكومات غالباً ما تنظر إلى التظاهرات باعتبارها احتجاجات موجهة ضدها، أو أنها مجرد مطالب فئوية، رغم أن هذه المطالب قد تكون فئوية وعامة في الوقت نفسه.

ويوضح سعدون، في حديث لوكالة شفق نيوز، أن “عدم الاستجابة للمطالب يخلق خللاً ويعزز فجوة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة”، مشيراً إلى أن عدم تنفيذ المطالب يعود في الغالب إلى عدم قدرة الحكومات على تنفيذها، أو إلى تسويفها، أو إلى اعتقادها بأن تلك المطالب لا تصب في مصلحة الدولة.

وينبه إلى أن “تكرار التظاهرات بالمطالب والاحتياجات والأشخاص أنفسهم يكشف أن آليات التعامل مع الاحتجاجات قد تكون في بعض الأحيان آنية، وتهدف إلى احتواء الاحتجاج وإخماده، من دون معالجة المطالب الحقيقية أو الأسباب التي دفعت المواطنين إلى الخروج”.

من الأمل إلى الإحباط

أما الباحث الاجتماعي أحمد الذهبي، فيقول إن استمرار التظاهرات لفترات طويلة يترك تأثيرات على المحتجين، خصوصاً مع طول فترة الانتظار.

ويبين الذهبي، لوكالة شفق نيوز، أن استمرار الاحتجاج لا يعني بالضرورة شيئاً واحداً، فقد يكون تعبيراً عن قوة المطالب والوعي بالحقوق، لكنه قد يكشف في الوقت نفسه عن تراكم الإحباط وضعف قدرة القنوات المؤسسية على استيعاب تلك المطالب.

وطبقاً له، فإن كثيراً من الاحتجاجات شهدت مشاركة شباب يطالبون بالتعيين، إلى جانب احتجاجات مرتبطة بتأخر الرواتب وغيرها من الملفات، مبيناً أن بداية الاحتجاج غالباً ما تكون مرتبطة بطاقة نفسية ناتجة عن الأمل والغضب الموجه والشعور بالقدرة على التغيير، فضلاً عن الإحساس بأن المحتج لم يعد وحيداً في مشكلته.

ويشرح أن وجود الآخرين يولد ما يسمى في علم النفس الاجتماعي بـ”الفاعلية الجماعية”، أي الاعتقاد بأن المجموعة قادرة معاً على إحداث تغيير، وهو ما يمكن أن يعزز شعور الفرد بالتمكين والانتماء والدعم الاجتماعي.

لكن المشكلة، بحسب الذهبي، تبدأ عندما يصبح زمن الاحتجاج مفتوحاً ولا تكون هناك استجابة واضحة، إذ يمكن أن ينتقل المتظاهر نفسياً من حالة الأمل إلى الانتظار ثم الإحباط والغضب، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الثقة أو الانسحاب من الاحتجاج.

ويؤكد أن غياب الأفق الواضح يجعل كلفة الاحتجاج النفسية أكبر، لافتاً إلى أن أخطر ما في الانتظار ليس طول المدة بحد ذاته، وإنما الانتظار من دون أفق، وأن الإنسان عندما يكرر فعله ويشعر بأن هذا الفعل لا ينتج استجابة، قد تظهر لديه مشاعر العجز وخيبة الأمل وفقدان الثقة بالمؤسسات.

في المقابل، يرى الذهبي أن نجاح المظاهرات يمكن أن يرفع مستويات التمكين والهوية والتماسك بين المشاركين، في حين قد يرتبط الفشل المتكرر بالتوتر والاحتراق النفسي والشعور بفقدان القوة.

وقد يؤدي طول الاحتجاج، بحسب الذهبي، إلى تقوية الهوية الاجتماعية للمحتجين، إذ ينتقل الشخص من القول “لدي مشكلة” إلى “لدي قضية”، فتتحول المعاناة الفردية إلى وعي جماعي.

وبين تكرار التظاهرات وتراجع الاستجابة الحكومية، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً من مجرد سؤال حول قدرة الشارع على الاحتجاج؛ فاستمرار المطالب من دون حلول قد يحول التظاهر من وسيلة ضغط للحصول على نتيجة محددة إلى حالة مستمرة تعكس أزمة ثقة أوسع بين المواطن ومؤسسات الدولة.