شفق نيوز- بغداد   

يُقدّر عدد العاطلين عن العمل في العراق بنحو 1.5 إلى 1.73 مليون شخص كحد أقصى، وفق اختلاف قواعد احتساب قوة العمل بين الإحصاءات الرسمية والدولية، في وقت تواجه فيه الحكومة تحديات مالية متزايدة تحد من قدرتها على التوسع في التعيين الحكومي، بينما يواصل آلاف الخريجين التظاهر للمطالبة بفرص عمل.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن معدل البطالة يدور حول 13%، مقابل نحو 13.5% وفق تقديرات دولية، ونحو ربع هذه النسبة يمثلها الشباب، وفق البيانات العراقية، وتصل إلى قرابة 32% (من أصل 13% نسبة البطالة) وفق بعض التقديرات الدولية.

وتبقى البطالة بين النساء أعلى من الرجال، في ظل مشاركة محدودة للنساء في سوق العمل، ويأتي ذلك في بلد تجاوز عدد سكانه 46.1 مليون نسمة وفق النتائج النهائية للتعداد العام للسكان والمساكن، بينما يدخل مئات آلاف الشباب سوق العمل سنوياً.

معالجة البطالة

وفي هذا السياق، يقول المستشار المالي والاقتصادي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، إن معالجة البطالة لا يمكن أن تقوم على التعيين الحكومي وحده، كما لا يمكن حلها بمجرد مطالبة الخريجين بالتوجه إلى القطاع الخاص من دون إصلاح بيئة الأعمال.

ويضيف صالح لوكالة شفق نيوز، أن المشكلة ترتبط بنموذج اقتصادي جعل الدولة رب العمل الأكبر لعقود، في وقت يتزايد فيه عدد الداخلين إلى سوق العمل بوتيرة أسرع من قدرة الجهاز الحكومي على استيعابهم.

ويرى أن التعامل مع آلاف الخريجين المتظاهرين لا ينبغي أن يكون بين خيارين، هما “تعيين الجميع” أو “رفض الجميع”، بل عبر برنامج انتقالي يخفف العبء عن الدولة ويمنح القطاع الخاص فرصة لاستيعاب أعداد أكبر.

ويقترح في هذا الإطار تدريباً مدفوعاً مرتبطاً بالتوظيف، ودعماً مؤقتاً للأجور تتحمله الدولة لتحفيز الشركات على تشغيل الخريجين، إلى جانب قروض ميسرة للمشاريع الصغيرة، مع إعطاء الأولوية للتخصصات التي يحتاج إليها الاقتصاد فعلياً.

ويؤكد أن الدولة يمكنها من خلال هذه الأدوات تحمل جزءاً من كلفة انتقال الخريجين إلى سوق العمل، من دون تحويلها إلى رواتب حكومية دائمة، محذراً من أن التعيين الحكومي قد يؤجل مشكلة البطالة لكنه لا يحلها، إذ يضيف العراق كل عام أعداداً كبيرة من الخريجين لا تستطيع أي موازنة استيعابهم جميعاً.

ويخلص صالح إلى أن المعادلة المطلوبة تتمثل في دولة أصغر في التوظيف وأقوى في التنظيم والاستثمار، وقطاع خاص أكبر وأكثر إنتاجية، واقتصاد أقل اعتماداً على النفط، بحيث يصبح خلق الوظائف نتيجة للنمو والإنتاجية وليس قراراً إدارياً.

استحقاقات التعيين

لكن هذا التوجه لا يعني إلغاء التعيينات الحكومية بالكامل، إذ يرى عضو اللجنة المالية النيابية، جمال كوجر، أن هناك شرائح ملزمة الدولة بتعيينها بموجب القوانين، وفي مقدمتها بعض التخصصات والفئات التي تمثل حاجة مباشرة للمؤسسات العامة.

ويقول كوجر لوكالة شفق نيوز، إن الأطباء والثلاثة الأوائل من الخريجين يمثلون طاقات لا يجوز التفريط بها، خصوصاً في ظل التطورات التكنولوجية والتحديات الصحية، مشدداً على أن الحكومة مطالبة باستيعاب من تستطيع استيعابهم في القطاع العام.

لكن النائب يوضح أن توفير فرصة العمل لا يعني بالضرورة أن تكون الوظيفة حكومية، إذ “لا توجد حكومة في العالم تستطيع توظيف كل الخريجين”، معتبراً أن نجاح الحكومة يقاس بقدرتها على توفير فرصة عمل لكل من يحتاج إليها، سواء في القطاع العام أو الخاص. 

ويستند كوجر إلى أن العمل والعيش بكرامة حق مكفول للمواطن، داعياً الحكومة إلى جعل فرص العمل في القطاع الخاص جزءاً من الاستحقاقات التي توفرها الدولة لمواطنيها.

غير أن النائب يرى أن القطاع الخاص نفسه يواجه مجموعة من العقبات التي حدّت من قدرته على خلق الوظائف والاستثمار، بينها السلاح المنفلت، وتدخل القوى السياسية في النشاط الاقتصادي، وعدم الاستقرار الإقليمي، وغياب الموازنات الاستثمارية الكافية، إضافة إلى تقييد قدرة المصارف على تمويل القطاع الخاص بسبب الاقتراض الحكومي الكبير منها.

ويشير كذلك إلى ضعف الالتزام بسداد القروض، وضعف الدور الرقابي وعدم تطبيق مخرجات الرقابة بالشكل المطلوب، معتبراً أن هذه العوامل دفعت القطاع الخاص إلى حالة وصفها بـ”الموت السريري”.

ويرى كوجر أن فتح باب الاستثمار وتوسيع قدرة القطاع الخاص على استيعاب الخريجين يتطلب معالجة هذه المشكلات بصورة متزامنة، وليس الاكتفاء بإصدار قرارات تخص سوق العمل.

الاستثمار مقابل الوظائف 

ويأتي هذا النقاش في وقت تراهن فيه الحكومة على الاستثمار وتنويع الاقتصاد والشراكة مع القطاع الخاص، بعد الإعلان عن 48 اتفاقاً ومذكرة تفاهم وإعلان شراكة مع الولايات المتحدة، في قطاعات تشمل الطاقة والصناعة والبنية التحتية والاتصالات والخدمات.

وكان صالح قد أكد، في وقت سابق، أن القيمة الحقيقية لهذه الاتفاقات ستتوقف على تحويلها من وثائق تفاهم إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، لافتاً إلى أن دخول الشركات الدولية يمكن أن ينقل التكنولوجيا والخبرات ويوفر فرص عمل، لكنه اشترط لذلك إصلاح بيئة الاستثمار وتبسيط الإجراءات وتعزيز الشفافية والاستقرار التشريعي والأمني.

كما تراهن الحكومة على الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتنفيذ مشاريع الطاقة والكهرباء والنقل والإسكان والصناعة والخدمات، بما يخفف العبء المالي عن الدولة ويتيح للقطاع الخاص المشاركة في تمويل وإدارة المشاريع.

لكن الخبراء يحذرون من أن الاستثمار وحده لا يكفي ما لم يرتبط بتوظيف محلي فعلي، حيث يقول الخبير الاقتصادي، صفوان قصي، إن من الضروري إلزام أصحاب الشركات والأنشطة الاقتصادية، بما فيها المطاعم والمصارف والصيدليات والمستشفيات وورش الصيانة وغيرها، بتشغيل متخصصين من حملة الشهادات المطلوبة وفق طبيعة النشاط.

ويقترح قصي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، ربط تجديد إجازات الشركات والتراخيص المهنية بمدى الالتزام بتشغيل الكفاءات المتخصصة، مع منح الشركات الملتزمة سماحات أو حوافز ضريبية تشجعها على التوظيف الرسمي.

كما يدعو إلى طرح فرص استثمارية داخل القطاع الحكومي، مع إلزام المستثمرين ضمن شروط المشاريع بتشغيل الخريجين العراقيين، بحيث لا يقتصر أثر الاستثمار على رأس المال أو الإيرادات، وإنما يمتد إلى سوق العمل.

أزمة القطاع الخاص

ويأتي ذلك في وقت تشير فيه تقديرات اقتصادية إلى ضعف النشاط غير النفطي، رغم ارتفاع الكتلة النقدية، مع تحذيرات من أن تباطؤ الناتج غير النفطي قد ينعكس على قدرة القطاع الخاص على خلق الوظائف.

ويرى خبراء أن قطاع التجارة، الذي يعد من أكبر مكونات الاقتصاد غير النفطي، تأثر بتعقيدات التعرفة الجمركية ونظام “الأسيكودا” والمشكلات اللوجستية والنقل والشحن، بينما تراجعت مبيعات البنك المركزي من العملة الأجنبية مقارنة بالعام السابق، في مؤشر على ضعف النشاط التجاري.

وكان الخبير الاقتصادي، منار العبيدي، قد دعا، في تحليل اقتصادي نشره الأسبوع الماضي، إلى حزم تحفيزية عاجلة للقطاعين التجاري والصناعي، تشمل تسهيل بيئة الأعمال وإعفاءات ضريبية وجمركية، محذراً من أن الحفاظ على تضخم منخفض لا ينبغي أن يتم على حساب القطاع الخاص الذي يمثل المحرك الأساسي لخلق فرص العمل.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت تشهد فيه بغداد ومحافظات عراقية أخرى، بين حين وآخر، تظاهرات لخريجين يطالبون بفرص عمل وتعيينات حكومية، ولا سيما ممن مضت على تخرجهم خمس سنوات أو أكثر، وسط تحذيرات خبراء من أن استمرار بطالة الشباب قد يحولها إلى “قنبلة موقوتة” ذات تداعيات اقتصادية واجتماعية متزايدة.