شفق نيوز- بغداد

يعاني العراق من فجوة متنامية بين حقوق الملكية الفكرية التي تكفلها القوانين وبين قدرتها على الصمود أمام واقع رقمي سريع التحول، حيث بات نسخ المقالات والتحقيقات والصور والفيديوهات وإعادة نشرها دون إذن أو نسب المصدر ممارسة متكررة يشكو منها صحفيون ومثقفون وصناع محتوى ومؤسسات إعلامية ناشئة.

ولم تعد المشكلة، وفق متابعين، مجرد خلاف مهني على نسب خبر أو صورة إلى صاحبها، بل تحولت إلى قضية تمس اقتصاد صناعة المحتوى وأخلاقيات الصحافة وحوافز الاستثمار في الإعلام الرقمي، في وقت تتقدم فيه أدوات النسخ والتوزيع الرقمي بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات على التوثيق والملاحقة والإنفاذ.

وفي هذا السياق، يرى الباحث الإعلامي، حيدر شلال، أن المشكلة تجاوزت حدود الممارسة غير المهنية، قائلاً إن “النسخ واللصق لم يعد مجرد ممارسة غير مهنية، بل تحول إلى مشكلة تهدد جوهر العمل الصحفي”، موضحاً أن جهود الصحفيين “تُسرق من دون نسب أو قيمة مضافة، فيما يحصل الناسخ على الانتشار والتفاعل”.

ويضيف شلال لوكالة شفق نيوز، أن الأخطر يتمثل في ضعف المساءلة المهنية والقانونية، الأمر الذي “يشجع على استمرار الظاهرة ويخلق منافسة غير عادلة بين من يستثمر في إنتاج المحتوى ومن يكتفي بالاستحواذ عليه”، داعياً إلى تفعيل الحماية القانونية وتعزيز الرقابة المهنية وترسيخ ثقافة احترام الملكية الفكرية والمصدر الصحفي.

القانون في العصر الرقمي

وتعود النواة الأساسية لقانون حماية حق المؤلف العراقي إلى عام 1971، لكن وصفه بأنه قانون “ورقي” بالكامل لم يعد دقيقاً بعد التعديلات التي أدخلت عليه، ولا سيما أمر سلطة الائتلاف رقم 83 لسنة 2004.

فالقانون رقم 3 لسنة 1971 يحمي المصنفات الأصلية في الآداب والفنون والعلوم، وتشمل الحماية المصنفات المكتوبة، وبرامج الحاسوب، والمصنفات الفوتوغرافية والسينمائية، وأعمال الإذاعة والتلفزيون، والتسجيلات الصوتية والبيانات المجمعة وغيرها.

كما وسّع تعديل 2004 نطاق بعض الحقوق ليشمل صراحة الاستنساخ والتخزين في وسط رقمي أو إلكتروني وإتاحة المصنف للجمهور بوسائل سلكية أو لاسلكية.

من جهتها، تقول رئيسة مركز النخيل للحقوق والحريات الصحفية، زينب ربيع، إن سرقة المواد الصحفية والثقافية “أصبحت واحدة من أبرز مشاكل العصر الحديث”، مشيرة إلى أنها لا تقتصر على العراق، لكنها تبدو “أكثر انفلاتاً” فيه بسبب ضعف القوانين والتشريعات وضعف الردع القانوني، فضلاً عن استغلال البعض لمساحة الحرية المتاحة.

وتضيف ربيع لوكالة شفق نيوز، أن المطلوب هو تضافر الصحفيين والمثقفين والفنانين والمختصين لوضع تشريعات تواكب العصر وتحمي أصحاب المنجز الصحفي والفكري والثقافي، لكنها ترى أن الطريق أمام ذلك “طويل ومعقد”.

“جمهورية النسخ واللصق”

في البيئة الرقمية، لم يعد الاعتداء على حقوق المؤلف مقتصراً على إعادة طباعة كتاب أو نسخ مقال في صحيفة أخرى، فالمادة الصحفية قد تُنسخ كاملة، أو تُجزأ إلى فقرات، أو يعاد إنتاجها في فيديو أو منشور، ثم تنشر في عشرات الصفحات خلال وقت قصير.

وكانت صحفية عراقية، بحسب وقائع أوردتها تقارير صحفية سابقة، قد اكتشفت بالصدفة أجزاء كاملة من مقالاتها منشورة ضمن أعمال شخص آخر من دون نسب، لتجد بعد تتبع حساباته أن مواد أخرى له تقوم على أجزاء من أعمال صحفيين مختلفين.

وتقول شهادات صحفيين ومثقفين إن الظاهرة لا تقف عند المقالات، بل تمتد إلى الشعر والنثر والكتب والأبحاث الجامعية والأعمال البصرية، وصولاً إلى المواد الاستقصائية التي تتطلب أسابيع أو أشهراً من العمل.

وهنا تظهر مشكلة تتجاوز حقوق المؤلف إلى أخلاقيات المهنة، فالمبدأ الصحفي التقليدي يقوم على التحقق من المعلومات، ونسبها إلى مصادرها، وإعطاء صاحب الجهد حقه المعنوي، لكن اقتصاد المنصات الرقمية خلق حافزاً مختلفاً السرعة والتفاعل والوصول إلى الترند.

ويقول شلال إن ثقافة النسخ واللصق تضر “بجوهر العمل الصحفي”، لأنها تجعل من ينتج المادة الأصلية في منافسة مع من يكتفي بإعادة الاستحواذ عليها.

ويضيف أن استمرار الظاهرة في ظل ضعف المساءلة يضرب أيضاً مبدأ المنافسة العادلة، إذ تصبح كلفة إنتاج المحتوى عبئاً على المؤسسة الأصلية، بينما يحصل الناسخ على منتج جاهز.

معركة الإثبات

وفي النقاش المتعلق بالقضاء، يبرز مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، الذي يمنع القاضي من إنشاء جريمة أو عقوبة لا تستند إلى نص قانوني نافذ.

لكن ذلك لا يعني أن القضاء العراقي لا يملك أي أساس قانوني للنظر في الاعتداء على حقوق المؤلف؛ فقانون حق المؤلف يتضمن حقوقاً استئثارية للمؤلف، بينها النسخ والترجمة والتحوير والتوزيع ونقل المصنف إلى الجمهور، كما يتضمن أحكاماً جزائية وتدابير تتعلق بالاعتداء على هذه الحقوق.

وتكمن الإشكالية الأوسع في البيئة الرقمية في التكييف والإثبات والإنفاذ، فالمادة التي تنشر على منصة اجتماعية لا تختفي فقط إذا حذفها صاحب الحساب؛ إذ قد تكون محفوظة في لقطات شاشة، أو أرشيفات، أو نسخ إلكترونية، أو خوادم، أو حسابات أخرى، وقد يصبح إثبات تاريخ النشر الأصلي وأسبقية صاحبه جزءاً أساسياً من النزاع.

وفي هذا الجانب، يشير المتحدث باسم نقابة الصحفيين العراقيين، رعد المشهداني، إلى أن نسخ المحتوى الصحفي وإعادة نشره دون إذن أو إشارة إلى المصدر يمثل “تجاوزاً على حقوق الصحفيين والمؤسسات الإعلامية”، ولا ينسجم مع القواعد المهنية والأخلاقية.

ويؤكد المشهداني لوكالة شفق نيوز، أن النقابة تنظر إلى الموضوع بجدية، لكنها تشدد على ضرورة التعامل مع الحالات ضمن الأطر المهنية والقانونية، “وعدم إطلاق الأحكام أو الاتهامات إلا بعد التحقق من الوقائع”.

ويقول إن لجنة الانضباط ولجنة المراقبة في النقابة تعمل على رصد المخالفات المتعلقة بسرقة المحتوى أو إعادة نشره بصورة تخل بحقوق صاحبه، وتوثيقها ورفعها إلى مجلس النقابة لاتخاذ ما يلزم وفق النظام الداخلي والأطر القانونية النافذة.

ويرى أن حماية الحقوق في البيئة الرقمية تبدأ أيضاً من الصحفي نفسه، عبر توثيق المواد المنشورة وحفظ الأدلة المتعلقة بالمحتوى الأصلي وتاريخ نشره، بما يساعد في إثبات الحقوق عند حدوث التجاوز.

تشريعات بلا إنفاذ

ويعد العراق عضواً في المنظمة العالمية للملكية الفكرية “WIPO” منذ عام 1976، وتظهر بيانات المنظمة أن لديه مكاتب وطنية مختصة بالملكية الفكرية، بينها المركز الوطني لحماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، إلى جانب جهات معنية بالبراءات والعلامات التجارية.

ولا تقتصر المنظومة على حق المؤلف؛ فهناك قانون براءات الاختراع والنماذج الصناعية رقم 65 لسنة 1970، وقانون العلامات والبيانات التجارية الذي ترصد المنظمة نسخته المعدلة حتى عام 2010.

لكن تعدد القوانين وتفاوت أعمارها لا يحل وحده مشكلة الإنفاذ في عصر المنصات.

ويقول رئيس المرصد العراقي للحريات الصحفية، هادي جلو مرعي، إن ما يحدث مرتبط أيضاً بـ”سطوة السياسة والفاعل السياسي وصانع القرار الذي لا يرى في الصحافة شريكاً موثوقاً لبناء دولة المؤسسات”.

لكن مرعي يتحفظ خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، على تحميل القضاء وحده مسؤولية التجاوزات، قائلاً إن “ليس من المنصف القول إن القضاء يتغاضى عن كل تلك التجاوزات الفكرية والسطو على الحقوق”.

ويعتبر أن المسؤولية تقع بدرجة كبيرة على النظام السياسي، ولا سيما السلطة التشريعية التي يجب أن توفر الحقوق من خلال تشريعات ملزمة وتطبيق صارم للقوانين.

ويضيف أن الفوضى “لم تكن صدفة أو سلوكاً فردياً”، بل ساهمت فيها جماعات سياسية سعت إلى مد نفوذها والتحكم بالمشهد، في وقت ضاعت فيه مفاهيم الملكية الفكرية وسط فضاء وسائل التواصل والتقنيات الحديثة.

كلفة المحتوى

ولا تتوقف القضية عند حق الصحفي في ذكر اسمه، فالمحتوى الصحفي أصبح أصلاً اقتصادياً يتطلب تمويلاً، حيث إن إنتاج تحقيق استقصائي قد يحتاج إلى فريق بحث وتصوير ومونتاج وتنقل ووثائق ووقت طويل، بينما تستطيع منصة أخرى الحصول على المنتج النهائي بمجرد نسخه.

وفي هذه المعادلة، يتحمل المنتج الأصلي تكلفة الإنتاج والمخاطرة، فيما يستطيع الناسخ تحقيق الوصول والتفاعل والإيرادات من مادة لم يدفع كلفتها.

ويؤدي ذلك إلى إضعاف الحافز على إنتاج الأعمال المكلفة، خصوصاً لدى المؤسسات الصغيرة التي لا تملك موارد المؤسسات الكبرى.

وتقول نقابة الصحفيين إن حماية المحتوى لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتقييد تداول المعلومات.

ويؤكد المشهداني أن “حرية الصحافة لا تعني إهدار حقوق الصحفي أو المؤسسة الإعلامية”، كما أن حماية الحقوق “لا ينبغي أن تكون على حساب حرية تداول المعلومات”، داعياً إلى تحقيق التوازن بين الحق في الوصول إلى المعلومات واحترام حقوق أصحاب المحتوى وترسيخ الأمانة الصحفية ونسب المعلومات والمصادر إلى أصحابها.

العقود وحقوق المبدع

ويبرز جانب آخر في علاقة الملكية الفكرية بالاقتصاد الإبداعي، وهو العلاقة التعاقدية بين صانع المحتوى والمؤسسة الإعلامية.

ففي سوق يفتقر فيه المبدع المستقل إلى قدرة تفاوضية كبيرة، يمكن أن تصبح العقود الوسيلة التي تحدد من يملك المصنف، ومن يحق له إعادة استخدامه أو تعديله أو توزيعه، وما إذا كان المقابل المالي يشمل الاستخدام الحالي فقط أم حقوقاً مستقبلية.

ولهذا يدعو متخصصون إلى أن تتضمن العقود بوضوح صاحب الحق، ومدة الترخيص، ونطاق الاستخدام، والمقابل المالي، وحقوق إعادة الاستخدام، بدلاً من ترك هذه المسائل غامضة.

ولا يعني ذلك أن كل عقد بين مؤسسة ومبدع هو “عقد إذعان”، لكن اختلال القوة التفاوضية بين الطرفين يمكن أن يضع المبدع الفرد أمام خيارات محدودة، خصوصاً عندما يحتاج إلى التمويل أو التوزيع أو الحماية التي تملكها المؤسسة الأكبر.

وينقسم النقاش حول ما إذا كان العراق يحتاج إلى قانون جديد أم إلى إنفاذ أفضل؛ فبينما يرى فريق أن التشريعات القائمة، رغم قدمها، تكفي لمعالجة جانب من الاعتداءات، وأن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف التوثيق والإنفاذ والخبرة الفنية، يدعو فريق آخر إلى تحديث أوسع للمنظومة لمواكبة المصنفات الرقمية والأدلة الإلكترونية والاعتداءات العابرة للحدود.

ويشدد مدافعون عن الحقوق الرقمية على ضرورة ألا تتحول قوانين الملكية الفكرية أو الجرائم الإلكترونية إلى أدوات لتجريم الرأي أو التحقيق الصحفي، مع الفصل بين حماية المصنف من النسخ غير المصرح به والجرائم المرتبطة بالمحتوى السياسي، واعتماد تعويضات فعالة واستثناءات واضحة للنقد والتعليم والتغطية الصحفية.

كما يدعون إلى تنظيم الأدلة الرقمية، كبيانات النشر والملفات الأصلية وسجلات المنصات، والاستفادة من البصمة الرقمية وسلاسل الكتل في التوثيق دون اعتبارها أدلة قاطعة بذاتها.

تجارب عربية

وتظهر تجارب الإمارات والسعودية ومصر أن تطوير منظومة الملكية الفكرية لا يقتصر على العقوبات، بل يشمل تنظيم الاستخدام الإلكتروني، وتوفير آليات للشكاوى وفض المنازعات، وتعزيز الخبرة القانونية والفنية، مع مراعاة حرية التعبير.

ولا يعني ذلك نقل هذه التجارب كما هي، بل الاستفادة من عناصرها، مثل إنشاء بوابة موحدة للشكاوى، وتنظيم الأدلة الرقمية، وربط العقوبات بحجم الضرر، وتطوير آليات فض المنازعات، مع الحفاظ على ضمانات حرية الصحافة.

وفي ظل بطء التشريع، يضغط الحراك المدني والنقابي باتجاه قوانين رقمية تفصل بين حماية الملكية الفكرية والجرائم السياسية، وتجنب العبارات الفضفاضة التي قد تقيد الرأي.

ويؤكد هذا الاتجاه ضرورة حماية صاحب العمل من السرقة، من دون تحويل قانون الملكية الفكرية إلى وسيلة لمنع الاقتباس المشروع أو النقد أو السخرية أو التغطية الصحفية.

ويقول رعد المشهداني في الختام إن النقابة “تدعم أي توجه تشريعي أو تنظيمي يسهم في تعزيز حماية المحتوى الصحفي ومحاسبة المتجاوزين وفق القانون”، مؤكداً أن التطور المتسارع في وسائل النشر الرقمي يفرض مراجعة الإجراءات والتشريعات ذات الصلة.