المختبر السياسي
-5-
في الطب، لا يُعد النزيف مرضًا بحد ذاته، لكنه من أخطر مضاعفات الأمراض والإصابات، فالإنسان قد يحتمل الألم، ويقاوم الحمى، ويتعايش مع كثير من العلل، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا استمر بالنزف، والأخطر أن بعض أنواع النزيف تكون داخلية، لا تُرى بالعين، ولا يشعر بها المريض إلا بعد أن يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وهذا ما يحدث للدول أيضًا.
فالدولة لا تنهار دائمًا بضربة واحدة، ولا تسقط بالضرورة تحت وقع حرب أو انقلاب، بل قد تظل واقفة سنوات طويلة، بينما تنزف بصمت، تبدو مؤسساتها قائمة، وموازناتها معلنة، وحكوماتها تتعاقب، لكن دماءها السياسية والاقتصادية والبشرية تتسرب يومًا بعد آخر، حتى تصل إلى مرحلة يصبح فيها الإنقاذ أكثر صعوبة من العلاج المبكر.
وأول مظاهر النزيف السياسي هو المال العام. فحين تُهدر المليارات في مشاريع لا تحقق جدوى اقتصادية أو اجتماعية، أو تتعثر سنوات دون إنجاز، أو تتحول إلى أبواب للهدر والفساد، فإن الدولة لا تنفق أموالها، بل تنزفها، وينطبق الأمر ذاته على تضخم الرواتب والامتيازات والمخصصات، واستحداث المناصب لإرضاء التوازنات السياسية، وتوسيع الإنفاق التشغيلي على حساب الاستثمار والتنمية. فالقانون يعد التبذير والتفريط بالمال العام وجهًا من وجوه الإضرار بالمصلحة العامة، والسياسة تضيف إليه بعدًا أخطر، لأنه يستنزف مستقبل الأجيال قبل أن يستنزف خزينة الدولة.
ولا يقف النزيف عند حدود المال، فهناك نزيف لا تقل كلفته خطورة، يتمثل في هجرة العقول والكفاءات، فحين يغادر الطبيب، والمهندس، والأستاذ الجامعي، والباحث، ورجل الأعمال، بحثًا عن بيئة أكثر عدلًا واستقرارًا، فإن الدولة لا تخسر أفرادًا، بل تخسر سنوات من الخبرة والاستثمار في الإنسان. وقد تعوض الأموال، لكنها لا تعوض العقول بسهولة.
ثم يأتي النزيف الإداري، وهو ذلك الاستنزاف اليومي الذي تسببه البيروقراطية، وتضارب الصلاحيات، وتعقيد الإجراءات، وبطء القرار، وغياب المساءلة، إنه نزيف لا يظهر في الحسابات الختامية، لكنه يلتهم الزمن، ويهدر الفرص، ويستهلك طاقات الدولة والمواطن معًا.
أما أخطر أنواع النزيف، فهو النزيف النفسي، فحين تتحول بعض المنابر الإعلامية إلى مصانع للخوف، واليأس، والإشاعات، والتحريض، وتغذية الانقسام، فإنها تستنزف ثقة المواطن بوطنه ومؤسساته ومستقبله، فالأمم لا تعيش بالخبز وحده، بل تعيش أيضًا بالأمل، وإذا فقد المجتمع ثقته بنفسه، أصبح أكثر قابلية للاستسلام من أي مجتمع يعاني نقصًا في الموارد.
وهناك نزيف آخر، أشد خفاءً، يصيب منظومة القيم ذاتها، فعندما تصبح الرشوة وسيلة معتادة لإنجاز المعاملات، والمحسوبية طريقًا إلى الوظيفة، والولاء الشخصي بديلًا عن الكفاءة، يبدأ المجتمع بفقدان مناعته الأخلاقية، وما يبدو في البداية حالات فردية، يتحول مع الزمن إلى ثقافة عامة، يصعب اقتلاعها، ولذلك، فإن الدول الرشيدة لا تنتظر حتى يشتد النزيف، بل تسارع إلى إيقافه عند أول قطرة. فهي تدرك أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بزيادة الإيرادات فقط، بل بسد منافذ الهدر، وحماية الكفاءات، وتبسيط الإدارة، وصون المال العام، وبناء إعلام مسؤول يعزز الوعي بدل أن يستنزف المعنويات.
فالدول لا تموت غالبًا بسبب الجرح الأول، وإنما لأنها لم توقف النزيف في الوقت المناسب، وما لم تُغلق الجروح التي تستنزف المال، والعقول، والوقت، والثقة، والقيم، فإن جسد الدولة سيبقى واقفًا في الظاهر، لكنه يقترب في الداخل من لحظة يفقد فيها آخر ما يمده بالحياة.
