تمرّ علينا الذكرى الثانية العشرة لأسوأ جريمة شهدها التاريخ الحديث في العراق، حين اجتاح تنظيم “داعش” الإرهابي قضاء سنجار في مطلع أغسطس/آب 2014. لم تكن تلك الهجمة مجرد زحف عسكري، بل كانت محاولة استئصال جذري لمكون أصيل من نسيج بلاد ما بين النهرين. اليوم، وبعد قرابة عقد من الزمان، ما زالت قصص الإيزيديين فصولاً لم تنتهِ، وما زالت صرخات الضحايا تتردد بين أنقاض سنجار وخيام النازحين، بانتظار عدالة تتجاوز الوعود السياسية إلى الحيز الفعلي.
الإيزيدية ليست مجرد طائفة، بل هي فلسفة حياة وديانة موغلة في القدم، ترتبط جذورها بحضارات وادي الرافدين القديمة كالسومرية والبابلية. يُعرّف الإيزيديون أنفسهم بأنهم “عبدة الله” (يزدان)، وهم يعتنقون ديانة غير تبشيرية تقدّس الظواهر الطبيعية كالشمس والنار والماء، باعتبارها تجليات للخالق وقوميتهم كردية.
وعلى عكس التشويه الذي طالهم عبر العصور، يؤمن الإيزيديون بوحدة الوجود، حيث لا ينفصل الخير عن الشر، بل كلاهما من مشيئة الله. هذا الإرث الثقافي الفريد جعلهم هدفاً لحملات “الإبادة” المتكررة (الفرمانات)، والتي بلغت ذروتها في عام 2014 نتيجة الجهل والخطاب الإقصائي الذي حاول تصويرهم كمُنحرفين عن الأديان السماوية، بينما هم في الحقيقة حراس لذاكرة تاريخية عراقية عريقة.
حين نتحدث عن سنجار، فنحن نتحدث عن إبادة جماعية مكتملة الأركان؛ فقد تم اختطاف 6,417 شخصاً، وما زال مصير 2,820 منهم مجهولاً، يقبعون في غياهب النسيان أو في مقابر جماعية لم تُفتح جميعها بعد، حيث تم اكتشاف 97 مقبرة جماعية حتى الآن. الناجون والناجيات، والذين يقدر عددهم بـ 3,597، يحملون ندوباً نفسية وجسدية لا تندمل. أما الواقع الديموغرافي، فيكشف عن مأساة مستمرة؛ حيث لا تزال 50 ألف عائلة إيزيدية تعيش في مخيمات النزوح، في ظروف تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية، وسط تدمير طال 80% من البنية التحتية في سنجار و70% من منازل المدنيين.
رغم تحرير سنجار في عام 2015، إلا أن التحرير العسكري لم يتبعه تحرير خدمي أو سياسي. تعاني المنطقة من إهمال حكومي متعمد وصراعات نفوذ بين مجموعات مسلحة وأطراف محلية وإقليمية، جعلت من سنجار ساحة لتصفية الحسابات بدلاً من أن تكون ورشة للإعمار.
التحدي الأكبر يكمن في تعليق ملف النزوح؛ فالكثير من الإيزيديين يخشون العودة بسبب غياب الأمن واستمرار الخطاب المعادي لهم على وسائل التواصل الاجتماعي. علاوة على ذلك، يواجه العائدون عقبات قانونية معقدة، حيث فقدوا وثائق ملكية أراضيهم ومنازلهم، مما يحرمهم من التعويضات المالية ومن إعادة بناء حياتهم الاقتصادية التي كانت تعتمد بنسبة 85% على الزراعة قبل النكبة.
يعد “قانون الناجيات الإيزيديات” الذي أقر في مارس 2021 خطوة تاريخية، كونه اعترف رسمياً بالإبادة الجماعية، لكن العبرة تظل في التنفيذ. يحتاج الضحايا إلى دعم نفسي وطبي واقتصادي يتجاوز الرواتب الشهرية. إن بناء الثقة بين المجتمع الإيزيدي والدولة يتطلب عدالة انتقالية حقيقية، تشمل محاكمة الإرهابيين أمام محاكم دولية أو خاصة، على غرار ما حدث في ألمانيا، لتوثيق الجرائم وضمان عدم تكرارها. إن المطالب الإيزيدية اليوم واضحة: توزيع عادل لأموال الإعمار بما يتناسب مع حجم الضرر، إنهاء التواجد المسلح غير القانوني، وحماية الهوية الإيزيدية من حملات التشويه الممنهجة.
إن صمود الإيزيديين، هو رسالة للعالم بأن هذا المكون يرفض الاندثار. لكن الصمود وحده لا يكفي؛ فالعدالة المتأخرة هي ظلم مستمر. إن إنصاف الإيزيديين وإعادة إعمار سنجار ليس مجرد واجب حكومي، بل هو اختبار لمدى جدية العراق والمجتمع الدولي في احترام حقوق الأقليات وحماية التنوع الثقافي. ستبقى قصص سنجار مفتوحة بلا نهايات، ما لم يتحرك الضمير العالمي لغلق ملف المفقودين وتوفير حياة آمنة فوق جبل سنجار المقدس، ليعود “أحفاد يزدان” إلى ديارهم بكرامة وسلام. إن قضية الإيزيديين هي قضية كل إنسان يؤمن بأن الحق في الحياة والاعتقاد هو أقدس الحقوق، وأن النسيان هو الجريمة الثانية التي تُرتكب بحق الضحايا.
