عندما تكون مياه هذا البلد وأرضه وسماؤه في أسوأ أحوالها، فإن الخطط والإحصائيات الموضوعة على طاولات صياغة السياسات البيئية لن تكون كافية لاستيعاب عمق الكارثة. فالتقارير الرسمية قد تقيس تراجع مناسيب دجلة والفرات أو كثافة الغبار والجسيمات الدقيقة في سماء المدن، لكن الأخطار بعيدة المدى تبدو أكبر بكثير من أن تختزل في أرقام ومؤشرات.

ما يواجهه العراق اليوم ليس مجرد تدهور بيئي، بل تراجع في الوعي التاريخي الذي قامت عليه ثقافة التكيف مع الطبيعة طوال آلاف السنين. فقد نشأت حضارة بلاد ما بين النهرين على فهم قيمة الأرض والأنهار باعتبارهما أساس الحياة والاستقرار، ومورداً ينبغي الحفاظ عليه لا استنزافه، لأن ازدهار المجتمع كان مرتبطاً دائماً بقدرته على إدارة موارده والتعايش مع حدود الطبيعة.

لكن هذا التوازن بدأ يختل عندما أصبح النفط المستخرج من باطن الأرض محور الاقتصاد، فيما تراجعت قيمة الثروات الموجودة على سطحها من مياه وأراض زراعية وبساتين وموارد طبيعية. وخلال عقود، خضعت البيئة لقرارات قصيرة النظر، حوّلت أجزاء واسعة من طبيعة العراق الخصبة إلى ساحات للبناء العشوائي والاستغلال غير المنظم، من دون رؤية بعيدة المدى تحمي ما تبقى من موارد البلاد.

وأُزيلت مساحات واسعة من البساتين التي كانت تمثل رئة طبيعية للمدن ودرعاً في مواجهة الحرارة والغبار والتصحر، بينما توسعت الكتل الإسمنتية على حساب الأراضي الخضراء، وتراجعت قدرة المدن على مقاومة آثار التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة.

هذا المنعطف المؤلم تجاوز حدود سوء الإدارة، فهو لم يورث المجتمع تلوثاً وانحساراً للمياه وتراجعاً للغطاء النباتي فحسب، بل خلق أيضاً نوعاً من القطيعة الثقافية بين الأجيال الجديدة والطبيعة التي شكّلت جزءاً من ذاكرة العراق وهويته. أجيال تكبر اليوم وهي أقل اتصالاً بالنهر والبستان والهواء النظيف، وأكثر اعتياداً على الغبار والتلوث والاختناق الحضري.

إن انهيار البيئة ليس مجرد نتيجة لأخطاء إدارية عابرة، بل مؤشر على خلل أعمق في مفهوم المسؤولية تجاه الوطن والأجيال المقبلة. ولذلك فإن معالجة هذا التدهور لن تتحقق بتوقيع اتفاقات مائية شكلية مع دول الجوار، ولا بتخصيص ميزانيات لمشاريع تفتقر إلى التخطيط والرقابة والفاعلية، بل تحتاج إلى تغيير في طريقة إدارة الأرض والماء والمدينة.

وبغداد اليوم تقدم نموذجاً مؤلماً لهذه النتيجة. فالأرض الملوثة والهواء المثقل بالغبار والمياه التي تواجه ضغوطاً متزايدة تكشف أن الأزمة البيئية لم تعد قضية هامشية، بل أصبحت جزءاً من أزمة نوعية الحياة نفسها، وعندما تُستنزف الطبيعة ويتحول الوطن إلى سلعة، تصبح كلفة الإصلاح أكبر بكثير من كلفة حمايته، وقد تصل بعض الخسائر إلى مراحل لا تستطيع الأموال وحدها تعويضها، مهما بلغت قيمتها مستقبلاً.