إن قرار اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة في الانتخابات العراقية المقبلة فيما لو طبق على وفق توجيه رئيس مجلس الوزراء، يعد خطوة استراتيجية جريئة، وكانت قد برزت كمطلب لمدة طويلة على طريق الإصلاح الانتخابي، وستؤدي دورا محوريا في معالجة أزمة ثقة الناخبين وتطهير العملية الديمقراطية من الشوائب.
البطاقة الوطنية الموحدة مستخرجة بالفعل وتتواجد في جيب كل مواطن تقريبا كونها مطلوبة للمعاملات اليومية، بخلاف البطاقة البيومترية الخاصة بالانتخابات، التي أدت سابقا إلى استبعاد ملايين المواطنين، مثلما حدث في محطات الانتخابات السابقة وشطب ملايين الناخبين لعدم تحديث بياناتهم.
باستعمال البطاقة الموحدة يجري دمج قاعدة بيانات السجل المدني مع المفوضية العليا للانتخابات تلقائيا؛ ما يعني أن كل مواطن يبلغ السن القانونية ويحمل البطاقة الوطنية يعد ناخبا مسجلا ومؤهلا للاقتراع من دون الحاجة لمراجعات روتينية شاقة لمراكز التسجيل الانتخابي، وهذا من شأنه إعادة ملايين المقاطعين.
ان النسبة الأكبر من عمليات بيع وشراء البطاقات الانتخابية كانت تجري استغلالا لإهمال بعض السكان بطاقاتهم أو حاجة العائلات الفقيرة لبيعها مقابل مبالغ مالية تستغل من قبل وسطاء الأحزاب. ولكون البطاقة الوطنية وثيقة رسمية شخصية لا يمكن الاستغناء عنها أو رهنها لأنها تستعمل في الدوائر والمستشفيات والسفر والمصارف، ينعدم سوق بيع البطاقات بشكل شبه تام بحسب التوقعات، وتضمن البطاقة الوطنية الموحدة بالتعاون مع المنظومة الإلكترونية المطابقة لبصمة الإصبع والوجه، منع أي محاولات للتصويت المزدوج أو انتحال الهويات، كما يمكن للعراقيين في الخارج ممن يمتلكون البطاقة الموحدة المشاركة في الانتخابات، مما يضفي موثوقية عالية تفتقر إليها البطاقات الانتخابية التقليدية.
وبرغم أهمية هذا القرار الذي من المحتمل ان تطبقه الحكومة، إلا أن نجاحه الفعلي على الأرض يشترط عدة عوامل فنية وتنظيمية، من أبرزها، وجوب توفير شبكة إلكترونية آمنة وعالية السرعة تربط محطات الاقتراع كافة في عموم العراق بقاعدة بيانات الأحوال المدنية الوطنية للتحقق الفوري من البطاقة الوطنية لمنع أي تلاعب، كما تتطلب التكامل التام بين المفوضية العليا للانتخابات ووزارة الداخلية (مديرية الجنسية والمعلومات المدنية).
كما يستدعي الامر إطلاق حملات إعلامية واسعة لطمأنة الشارع العراقي بأن بطاقته الوطنية الشخصية كافية وحدها للإدلاء بالصوت، لكسر حاجز اليأس والإحباط المتراكم لدى الناخبين.
وبرأينا، ان اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة يعد الاجراء الأنسب لمعالجة أكبر معضلتين واجهتا النظام الانتخابي العراقي وهما، عزوف الناخبين، وتجارة الأصوات، شريطة توفير الغطاء القانوني والتقني الكامل من قبل الحكومة والمفوضية لضمان سلامة التطبيق.
ومع ذلك نقول، ان المشكلة لم تكن يوما مجرد عقبة فنية تتعلق بنوع البطاقة أو آلية الاقتراع، بل هي أزمة إرادة سياسية ومصالح متباينة تتغلف بأغطية دستورية وقانونية لضمان بقاء منظومة الامتيازات والمكتسبات الحزبية، ولكن استمرار العمل بالبطاقة البيومترية المستقلة عن السجل المدني العام يوفر للكتل النافذة مساحات واسعة للمناورة، وتدوير الأصوات، واستغلال شبكات التحشدات السياسية، والتلاعب بالتسجيل. ففقدان هذه الأدوات يعني انهيار جزء كبير من الهندسة الانتخابية التي تضمن بقاءهم في السلطة.
ويلاحظ انه بمجرد الاعلان عن التوجه لإلغاء البطاقة البيومترية، انبثقت الاعتراضات وتركزت في أوساط المسؤولين بشأن شرعية هذا الاجراء؛ وهنا نقول ان استغلال حجج دستورية وقانونية لتعطيل أي إصلاح حقيقي هو تكتيك تقليدي؛ فعندما يتعلق الأمر بتقويض مصالحهم، يصبحون حراسا أشداء لنصوص القانون، متغاضين عن حقيقة أن الغاية الأساسية من التشريعات والدستور هي ضمان تمثيل حقيقي للشعب العراقي الذي عبر عن فقدان الثقة بمقاطعة واسعة للعملية الانتخابية، والسياسية برمتها.
إن إصلاح النظام الانتخابي لم يعد ترفا سياسيا، بل هو استحقاق وجودي للدولة. وإذا كانت القوانين الحالية أو البنية الدستورية الحالية تفصل تفصيلا مقاسا على مصالح الفئة الحاكمة التي أدارت البلاد طوال العقدين الماضيين، فإن تعديل القانون أو حتى الذهاب لتعديلات دستورية جوهرية يصبح ضرورة وطنية ملحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وبعد أكثر من عقدين من التجربة التي أكملت عامها الثالث والعشرين، أثبتت الوقائع أن العقلية الإدارية والسياسية المهيمنة غير قابلة للإصلاح من داخل النسق الحالي ما لم يفرض عليها ضغط شعبي أو إرادة سياسية عليا حازمة توجب وقائع جديدة على الأرض، مثل دمج السجلات وتسهيل إجراءات الاقتراع عبر وثائق المواطن الأساسية.
إن المعركة الدائرة اليوم بشأن البطاقة الوطنية ليست معركة بين نصين قانونيين، بل هي معركة بين دولة المؤسسات والشفافية، وبين دولة المحاصصة والامتيازات. فإذا نجحت الحكومة في كسر هذا الطوق وفرض البطاقة الموحدة، فستكون قد أسست لأول أساس حقيقي في إعادة هندسة الثقة المفقودة بين المواطن وصندوق الاقتراع.
إن الرهان على الضغط الشعبي الواعي، وحراك المجتمع المدني، وكتلة الرأي العام الضاغطة هي المراهنة الأصدق والأكثر تأثيرا في تاريخ الصراع مع منظومة المحاصصة والامتيازات؛ فالطبقة السياسية لا تتنازل عن امتيازاتها طوعا، بل تستجيب فقط عندما تشعر أن كلفة الرفض والمماطلة باتت أعلى بكثير من كلفة القبول والإصلاح.
وفي هذا السياق، يمكن إبراز كيف يمكن للتظاهرات والضغط المدني الشعبي تحقيق هذا التغيير، لكسر الاحتكار السياسي للمجال العام، فعندما تخرج الشوارع والساحات للمطالبة بإصلاح محدد وواضح كاعتماد البطاقة الموحدة وتسهيل الانتخابات وكذلك عندما يوجه الاعلام بهذا الاتجاه، فإنها تسحب البساط من تحت ذرائع القوى السياسية وتجبرها على الخروج من غرف التفاوض المغلقة إلى العلن. وان تنظيم الندوات، والحملات الإعلامية، والوقفات الاحتجاجية من قبل منظمات المجتمع المدني والنخب الفكرية يسهم في تحويل القضية من مجرد نقاش إداري محض إلى معركة وطنية كبرى تتعلق بحق المواطن الأصيل في تقرير مصيره.
ولكي تؤتي التظاهرات والاحتجاجات ثمارها وتدفع النخب نحو التعديلات المطلوبة، يشترط ان ترفع شعارا محددا ومركزيا مثل “لا لوصاية البطاقات الحزبية، نعم للبطاقة الوطنية الموحدة في الانتخابات” لئلا تتشتت الجهود أو يجري امتصاص الغضب الشعبي بشعارات فضفاضة. ويتوجب دعم الشارع بالأوراق البحثية، والمطالعات القانونية الرصينة التي يصيغها الباحثون والمختصون، لتفنيد حجج السياسيين القائلة بـمخالفة الدستور، وإثبات أن القانون والدستور وجدا لخدمة الشعب لا لحماية مقاعد النافذين. كما يجب التكامل بين النخب والشارع بأن يكون هناك ترابط وثيق بين الصحفيين، والكتاب، وأصحاب الرأي الذين يوثقون الخلل ويكشفونه، وبين الحركات الشعبية والمجتمعية التي تنقل هذه المطالب إلى أرض الواقع.
