شفق نيوز- ترجمة خاصة

يعيش العراق، منذ أشهر حالة انقسام غير مسبوقة إزاء الحرب التي وجد نفسه محاصراً فيها، وهو ما يعكس بحسب تقرير بريطاني، مأزقاً يكاد يكون مستحيلاً، إذ تجد بغداد نفسها في وضع هش مع انهيار التوازن الذي حاولت الحفاظ عليه بين طهران وواشنطن.

وأشارت صحيفة “ذا غارديان“، في تقرير لها ترجمته وكالة شفق نيوز، إلى أن “اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي واشتعال الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، أدى إلى لاختراق الطائرات المسيّرة سماء البصرة واستهداف مواقع للطاقة تديرها شركات أجنبية”، الأمر الذي كشف، بحسب التقرير، هشاشة الدولة العراقية وسهولة انتهاك سيادتها.

ووفق الصحيفة، فعلى مدى 40 عاماً، عاشت الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل في حالة من “اللا حرب واللا سلم”، إلا أن العراق وجد نفسه الآن، وبشكل مفاجئ ودراماتيكي، عالقاً في قلب هذا الصراع.

وبعدما أشار التقرير إلى أن إيران لم تكن الجهة التي نفذت الهجمات، باستثناء تلك التي استهدفت الناقلات، أوضح أن العمليات الأخرى تقف خلفها “المقاومة الإسلامية في العراق”، ما يعني أن عراقيين نفذوها على أرض عراقية، ونقل عن مسؤول كبير في وزارة النفط في البصرة قوله: “هذا عمل خيانة”.

وبحسب التقرير، فإن هناك نوعين من الفصائل المسلحة؛ الأول يستخدم السلاح لحماية مصالحه الاقتصادية المرتبطة بالعقود الحكومية، والثاني تحركه الأيديولوجيا بشكل أساسي، ويلتزم بالمشروع الإيراني الرامي إلى إلحاق الهزيمة بإسرائيل وطرد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط.

وأضاف التقرير أنه، رغم تحقيق رئيس الوزراء علي الزيدي بعض النجاح في ملف ضبط سلاح الفصائل، فإن وجود القوات الأميركية في العراق، مع استمرار تحليق الطائرات الإسرائيلية في الأجواء العراقية، يعني – وفق الصحيفة – أن فصائل “المقاومة” ستواصل القتال.

واستناداً إلى لقاءات مع مسؤولين عراقيين، قالت الصحيفة إن الغضب والإرهاق يطغيان على المواقف داخل قطاع النفط بسبب الهجمات على البنية التحتية النفطية، ونقلت عن أحد المسؤولين قوله إن المنشآت المستهدفة “تقع على الأراضي العراقية، وممولة من العراق، وكذلك جميع المعدات التي دُمّرت”.

وأضافت أن الشركات الأجنبية لن تتحمل الخسائر، بل ستطالب العراق بتعويض قيمة الأصول المدمرة، فيما سيتضرر الاقتصاد العراقي وقطاع النفط وسمعة البلاد بوصفها بيئة آمنة للاستثمار.

وطبقاً للتقرير البريطاني، فإن منفذي الهجمات امتلكوا معلومات استخباراتية دقيقة للغاية، وربما حصلوا عليها من داخل المؤسسات، بشأن المواقع المستهدفة وأي مبنى أو مستودع ينبغي تدميره.

ورأى المسؤول الذي تحدث لـ”الغارديان”، إلى جانب مسؤولين آخرين في قطاع النفط بالبصرة، أن الهدف من الهجمات كان تعطيل إنتاج النفط، ورفع الأسعار عالمياً، وزيادة الضغط على الإدارة الأميركية لوقف حربها ضد إيران، كما نقل التقرير عنه قوله: “ربما يريدون طرد هذه الشركات الغربية واستبدالها بشركات من دول أكثر توافقاً معهم”.

واعتبرت الصحيفة أن تداعيات الحرب على إيران كانت عميقة داخل العراق، وكشفت هشاشة دولة منقسمة بصورة خطيرة بين طرفي الصراع.

وفي أحد مطاعم بغداد، نقل التقرير عن مستشار حكومي قوله إن الحكومة كانت، حتى وقت قريب، قادرة على احتواء معظم الفصائل المسلحة عبر الحوار، حتى خلال حرب غزة والحرب التي استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران عام 2025، إلا أن اغتيال خامنئي غيّر كل شيء.

وأضاف المستشار، بحسب التقرير: “لم يعد بإمكانك أن تطلب من الفصائل عدم الانخراط الآن، فهذا صراع وجودي وواجب ديني”، مشيراً إلى أن إيران والفصائل العراقية تدرك أن المجال الجوي العراقي والقواعد الأميركية داخل العراق تُستخدم لقصف إيران.

وتابع المستشار أن مسؤولين إيرانيين أبلغوه بأن نحو 40 ألف جهاز “ستارلينك” هُرّبت من العراق إلى إيران خلال الاحتجاجات الأخيرة، للتحايل على القيود المفروضة على الإنترنت. ونقل التقرير عنه قوله: “علينا أن نكون ممتنين لأنهم لم يستخدموا كامل قوتهم ضد العراق، إذ كان بإمكانهم بسهولة إحراق نصف البلاد، فبماذا كنا سندافع عن أنفسنا؟”.

كما نقل التقرير عن مسؤول أمني رفيع عمل لسنوات مع الأميركيين قوله إن الحرب كشفت ضعف العراق، مضيفاً: “لا أقصد الضعف العسكري فقط، بل إن بلدنا تعرض للانتهاك من جميع الأطراف، واستخدم كلا الجانبين مجالنا الجوي، ولم تتمكن الدولة حتى من حماية جنودها وضباطها عندما تعرضوا لهجمات من الفصائل المسلحة”.

وتابع: “الجميع في القيادة العسكرية يعرف من يقف وراء الهجمات. ربما لا نعرف اسم الشخص الذي أطلق الطائرة المسيّرة، لكننا نعرف من أصدر الأوامر، وسلسلة القيادة، ومن أين انطلقت”.

وأشار أيضاً إلى وجود كاميرات مراقبة في الشوارع، متسائلاً: “كيف يمكن إطلاق بعض الصواريخ والطائرات المسيّرة من وسط العاصمة، وتجاوز جميع نقاط التفتيش دون اكتشافها؟”.

وتناول التقرير بإسهاب مظاهر الفساد في العراق، بما في ذلك داخل الأجهزة الأمنية، وكيف أسهم النظام الذي نشأ بعد عام 2003، بحسب الصحيفة، في تعزيز نفوذ الشركات الأجنبية في قطاع النفط، وترسيخ ثقافة الفساد وتقوية الفصائل المسلحة.

كما أشار إلى مشاركة كبار المسؤولين العراقيين في جنازة السيد علي خامنئي بمدينة النجف، معتبراً أنه بعد ستة أيام فقط، تجلت الطبيعة المزدوجة للسياسة العراقية عندما جلس رئيس الوزراء علي الزيدي إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المكتب البيضاوي، بينما أعلن الأخير أن الرجلين تجمعهما “كيمياء هائلة”.

وفي حين لفت التقرير إلى تعهد الزيدي مجدداً بنزع السلاح ومحاربة الفساد وتشجيع الشركات الأميركية على الاستثمار في العراق، نقل عن مصدر مطلع قوله إن الإدارات الأميركية كررت المطالب نفسها مع جميع رؤساء الوزراء العراقيين، من نوري المالكي إلى حيدر العبادي وعادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني، وصولاً إلى علي الزيدي، دون أن ينعكس ذلك على تقليص النفوذ الإيراني، الذي ازداد اتساعاً مع مرور الوقت.

وفي ختام التقرير، نقلت الصحيفة عن رجل مسن على كورنيش البصرة قوله إن إيران تمثل “آخر قطعة شطرنج تحمي الإسلام وتدافع عن القومية العربية”، مضيفاً أن “واجب العراقيين هو دعمها”.

وعندما سُئل عما إذا كان يخشى انهيار الاقتصاد العراقي في حال تراجع صادرات النفط، أجاب: “لا… الولايات المتحدة لن تتخلى عن مشروعها في العراق، وستضمن ألا ينهار اقتصادنا”.

وخلصت “ذا غارديان” إلى أن هذا المشهد يجسد المأزق العراقي المستحيل، إذ يجد العراق نفسه معتمداً في آن واحد على خصمين يعلنان العداء لبعضهما البعض.