شفق نيوز- ترجمة خاصة 

لم يعد العراق مجرد ساحة للتنافس الإقليمي، وإنما ينظر إليه بشكل متزايد باعتباره لاعباً فاعلاً دبلوماسياً وفي قطاع الطاقة، وجسراً حيوياً ضمن الشبكة الاقتصادية للمنطقة، بحسب قراءة لـ”معهد الدراسات الاستراتيجية” الباكستاني، ما يوفر فرصة أمام إسلام آباد لبناء علاقة أكثر شمولية مع بغداد ومساعدتها في تنويع انخراطها الإقليمي وتعزيز الاستقرار في المنطقة.

ووفقاً لتقرير المعهد الباكستاني الذي ترجمته وكالة شفق نيوز، فإن القضايا السياسية والأمنية الداخلية للعراق لا تزال تشكل عائقاً أمام طموحاته، لكن رغم ذلك، تمكنت بغداد من تعزيز علاقاتها مع أطراف إقليمية ودولية بهدف تقوية نفوذها في ظل المشهد الجيوسياسي المتغير.

وفي ظل تجدد التنافس الاستراتيجي بشكل متزايد نحو النفوذ الاقتصادي والتعاون الإقليمي، فإنه يتحتم أن يكون العراق، بحسب التقرير، جزءاً من سياسة باكستان طويلة المدى تجاه الشرق الأوسط.

وأوضح أن الشرق الأوسط يمر بواحدة من أهم التحولات الجيوسياسية منذ عقود، مشيراً بذلك إلى صراع غزة، وتطورات العلاقات الإيرانية – العربية، وعودة التنافس بين القوى العظمى، ونهج جديد من جانب الولايات المتحدة تجاه المنطقة، وهذه جميعها تشكل عوامل رئيسية في إعادة تشكيل السياسة الإقليمية.

واعتبر التقرير أن العراق أصبح في ظل هذه الساحة المتغيرة، دولة لها استراتيجية سياسية، وأصبح الاستقرار والسياسات أكثر أهمية في موازنة القوى في المنطقة.

واستدرك المعهد الباكستاني قائلاً إن العراق ينظر إليه تقليدياً على أنه بلد متأثر بالصراع وعدم الاستقرار، لكنه أصبح الآن لاعباً في الساحة الدبلوماسية واللاعب الاقتصادي الذي بمقدوره رسم جداول أعمال أخرى في الساحتين الإقليمية والدولية.

كما تناول التقرير الأهمية الإقليمية للعراق فيما يتعلق بالسلام ودوره في القوى العظمى المتنافسة، مما يجعله واحداً من أكثر الدول أهمية استراتيجياً في منطقة الشرق الأوسط الناشئ.

ورأى أن القيمة الاستراتيجية للعراق أكبر بكثير من مجرد حقيقة أنه يقع في وسط العالم، فهو لاعب أساسي في أسواق الطاقة العالمية، ويقع عند مفترق طرق في الشرق الأوسط بين دول الخليج وإيران وتركيا وبلاد الشام، وهو أحد أكبر منتجي النفط في العالم وعضو في أوبك.

وتابع التقرير أن دور العراق الخاص جعل منه ساحة معركة للقوى الإقليمية لممارسة نفوذها، لكن في المقابل، يبرز دور بغداد كمحور للوساطة الدبلوماسية، عبر جمع أطراف الصراع معاً وتعزيز التعاون الإقليمي، وأصبح العراق يلعب الآن دوراً نشطاً في النظام الإقليمي.

ووفقاً للتقرير، فإن الديناميكيات المتغيرة لمكانة العراق في المنطقة، تعتبر أمراً بالغ الأهمية ليس من أجل فهم الجغرافيا السياسية الإقليمية المستقبلية فقط، وإنما أيضاً لضمان فرص جديدة أمام باكستان، لتنويع مشاركتها الإقليمية وتقوية أجندة سياستها الخارجية الشاملة.

ولفت التقرير إلى أن العراق في مقدمة الحقائق الجديدة في المنطقة، لأن لديه علاقات عمل مع أطراف غالباً ما تكون مصالحها في حالة صراع، سواء مع إيران أو دول مجلس التعاون الخليجي أو الولايات المتحدة أو تركيا، وهو ما منح العراق من خلال شراكاته المتعددة، دوراً أكثر أهمية ومساحة أوسع لانتهاج سياسة خارجية أكثر توازناً.

وأشار إلى أن الأهمية الاستراتيجية للعراق تزايدت في السنوات الأخيرة، بسبب التحول في ميزان القوى في المنطقة، وقد وفرت هذه التطورات فرصاً لبغداد للسعي إلى انتهاج سياسة خارجية أكثر توازناً، من خلال تطوير علاقات أوثق مع الدول المجاورة، والاستمرار في إشراك الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية المتنافسة.

وأضاف أن هذا الدور الدبلوماسي يعزز الأهمية الاستراتيجية للعراق بما يتخطى موارده من الطاقة، ويؤكد دوره المتنامي في تشكيل النظام الجديد في الشرق الأوسط.

التداعيات على باكستان

وذكر التقرير أن تزايد الأهمية الاستراتيجية للعراق بالنسبة لباكستان، يحقق مزايا اقتصادية ودبلوماسية على حد سواء، ورغم العلاقات التقليدية الجيدة بينهما، فإن التعاون الثنائي لم يصل إلى حد التكامل.

وتابع التقرير أنه في ظل تطلع العراق إلى تنويع علاقاته الخارجية وبناء المزيد من الروابط مع المنطقة من أجل فتح أبواب جديدة لمزيد من المشاركة الاقتصادية، فإنه لدى باكستان الإمكانات لتعزيز التعاون في مختلف المجالات مثل التجارة والطاقة والاستثمار والتعليم والرعاية الصحية وتنمية الموارد البشرية.

أما من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، فيقول التقرير إن العراق يعتبر “نعمة لباكستان”، مشيراً إلى الزيادة الكبيرة في التجارة الثنائية في السنوات الأخيرة، حيث بلغت صادرات باكستان إلى العراق 79.2 مليون دولار في العام 2024، وارتفعت الصادرات من العراق إلى باكستان إلى 253 مليون دولار، خاصة في مجال الغاز.

وفي الوقت نفسه، قال التقرير إن التوسع في صناعة الطاقة العراقية، يؤمن لباكستان فرصة لتوسيع تعاونها في مجال الطاقة وتنويعه، وتعزيز أمن الطاقة وتأمين استثمارات طويلة الأجل في النفط والغاز.

وبحسب التقرير، فإن بإمكان بغداد وإسلام آباد تعميق التعاون في التجارة والطاقة والاستثمار، والتعليم والرعاية الصحية والسياحة الدينية وتطوير البنية التحتية والتبادلات بين المؤسسات في البلدين، بما يساهم أيضاً في توسع انخراط باكستان في الشرق الأوسط.

وتابع التقرير أنه بالإضافة إلى قطاع الطاقة، فإن أهمية العراق المتزايدة من حيث الانخراط الإقليمي، تتلاءم مع رؤية باكستان لتعزيز التكامل الاقتصادي في آسيا والشرق الأوسط، مبيناً أن الدولتين تسعيان إلى زيادة تطوير الممرات التجارية والنقل وتعزيز الاتصال الإقليمي.

وقال التقرير إنه من منظور دبلوماسي، فإن حقيقة أن العراق يدير علاقاته مع المتنافسين من القوى الإقليمية بشكل متوازن، تفيد السياسة الخارجية الباكستانية، حيث إن إسلام آباد حافظت على سياسة إيجابية فيما يتعلق بجميع البلدان في منطقة الشرق الأوسط من دون التورط في منافسة القوى الإقليمية المختلفة.

توصيات سياسية

وطرح المعهد توصيات تتعلق بصناعة السياسة الباكستانية، معتبراً أنه يجب على إسلام آباد أن تتقدم بمشاركة أكثر منهجية واستباقية وتطلعية مع العراق، مع الأخذ في الاعتبار أهميته الاستراتيجية المتزايدة في الشرق الأوسط، مع تعزيز فكرة الحوار والطابع المؤسسي عالي المستوى والمشاورات الثنائية وتوسيع التعاون في مجالات التجارة والطاقة والأمن والدبلوماسية الإقليمية.

بالإضافة إلى تعزيز فرص الاستثمار المتبادل في الطاقة والزراعة والأدوية والبناء وتكنولوجيا المعلومات والتبادل الأكاديمي والمنح الدراسية والمهنية، بما يساعد أيضاً في تحسين العلاقات بين الشعبين وفي إعادة إعمار العراق وتنمية الموارد البشرية.

وتابع التقرير أن الجهود الدبلوماسية التي تسهل الحوار ومنع النزاعات في الشرق الأوسط، يجب أن تستمر على المستوى الإقليمي، بدعم من باكستان التي يجب أن تعمل مع بغداد في المنتديات المتعددة الأطراف للضغط من أجل اعتماد استراتيجيات تعاونية للأمن الإقليمي والتكامل الاقتصادي ومكافحة الإرهاب.

وخلص المعهد الباكستاني إلى القول إن صعود نظام الشرق الأوسط الجديد جعل العراق يتمتع بدور استراتيجي أكثر بكثير في المنطقة، وأصبح ينظر إليه بشكل متزايد باعتباره لاعباً دبلوماسياً، ولاعباً في مجال الطاقة، وجسراً حيوياً في الشبكة الاقتصادية للمنطقة.

وبينما تتحول المنافسة الاستراتيجية بشكل متزايد نحو التأثير الاقتصادي والتعاون الإقليمي، فإنه يجب أن يكون العراق جزءاً من سياسة باكستان الطويلة المدى تجاه الشرق الأوسط، وفقاً للتقرير.