شفق نيوز- بغداد
لم يبق سوى 55 يوماً على الموعد الذي حدده “ائتلاف إدارة الدولة” الذي يجمع الكتل والأحزاب المشاركة في العملية السياسية بالعراق ومن مختلف المكونات، للمضي بخطوات حصر السلاح بيد الدولة، فيما ما تزال بعض الفصائل المسلحة ترفض التخلي عن ترسانتها العسكرية.
وتؤكد تلك الفصائل أن سلاحها مرتبط بما تصفه بـ”المقاومة” والتهديدات الإقليمية، في وقت تحاول فيه حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، إدارة واحدة من أكثر الملفات الأمنية والسياسية صعوبة منذ سنوات.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التوتر الداخلي والإقليمي، بعدما رفعت القوات الأمنية والعسكرية العراقية مستوى جاهزيتها، يوم أمس الخميس، وألغت إجازات عدد من القادة والآمرين تحسباً لأي طارئ.
وجاء ذلك بالتزامن مع انتهاء مهلة منحتها فصائل مسلحة للحكومة لاتخاذ موقف من الضربات الأميركية والسعودية التي استهدفت مواقع تابعة للحشد الشعبي في 29 تموز/ يوليو الماضي، ومع اقتراب موعد 30 أيلول/ سبتمبر الذي حدده “ائتلاف إدارة الدولة” لإنهاء أي نشاط مسلح خارج إطار المؤسسات الرسمية.
استحقاق أيلول
وكان “ائتلاف إدارة الدولة” قد أكد في اجتماعه الأخير، الأربعاء الماضي، بحضور رئيس الجمهورية زار آميدي، ورئيس الوزراء علي الزيدي، ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، ورئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، ضرورة حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
وحذر الائتلاف من أن أي نشاط مسلح خارج إطار الدولة بعد 30 أيلول/ سبتمبر 2026 سيُعامل وفق قانون مكافحة الإرهاب.
وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي، زياد العرار، إن الزيدي “مصر على ضبط إدارة وحركة السلاح في البلاد”، مشيراً إلى أن الاجتماع الأخير لـ”ائتلاف إدارة الدولة” مثّل دعماً سياسياً جديداً للحكومة في هذا الملف.
ويضيف العرار، لوكالة شفق نيوز، أن حضور الرئاسات الثلاث ورئيس إقليم كوردستان يعكس وجود قناعة مشتركة بخطورة استمرار ملف السلاح خارج السيطرة الحكومية، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها العراق.
ويوضح أن المرحلة المقبلة ستشهد تكثيف المشاورات مع الفصائل الرافضة لتسليم السلاح، مرجحاً التوصل إلى تفاهمات قبل نهاية المهلة، وربما الدخول في “مرحلة انتقالية” لإدارة هذا الملف المعقد بدلاً من الذهاب إلى مواجهة مباشرة.
في غضون ذلك، أعلنت خلية الإعلام الأمني رسمياً، مساء يوم أمس الخميس، بتوجيه من القائد العام للقوات المسلحة، رفع مستوى الجاهزية والاستعداد القتالي للقوات الأمنية والعسكرية، بما يشمل حركة للقطعات وممارسات ميدانية.
غطاء سياسي واسع
من جهته، يرى الخبير الأمني، سرمد البياتي، أن نجاح الزيدي في حصر السلاح لا يعتمد على قرار الحكومة فقط، بل يرتبط بمجموعة عوامل داخلية وخارجية.
ويقول البياتي، لوكالة شفق نيوز، إن العامل الأول يتمثل في الدعم الداخلي، خصوصاً من “ائتلاف إدارة الدولة” ومجلس القضاء الأعلى، باعتبار أن الملف يحتاج إلى غطاء سياسي وقانوني واسع.
ويشير إلى أن هناك دعماً من دول الجوار التي تسعى إلى مساعدة العراق في ضبط أمنه، معتبراً أن هذا الدعم لا يمثل تدخلاً في الشأن الداخلي بقدر ما يرتبط بمخاوف إقليمية من استخدام الأراضي العراقية في صراعات خارج الحدود.
ويتابع البياتي، قائلاً إن تصنيف الفصائل ليس موحداً، موضحاً أن “بعض الفصائل ليست رافضة لحصر السلاح بشكل مطلق، لكنها تربط الأمر بخروج التحالف الدولي”.
وبحسب الخبير الأمني، فإن المرحلة التي تلي انتهاء وجود التحالف ستكون أكثر وضوحاً في تحديد الجهات المستعدة للانخراط الكامل ضمن مؤسسات الدولة والجهات التي ستبقى متمسكة بهياكلها العسكرية المستقلة.
ويؤكد البياتي أن الحكومة مطالبة في المقابل بتوفير الحماية والضمانات لهذه الفصائل، قائلاً إن أفرادها “يبقون عراقيين”، وإن معالجة الملف يجب أن تراعي البعد الأمني والاجتماعي.
وفي السياق، كشفت مصادر سياسية وحكومية متعددة، كواليس الساعات المضطربة التي عاشتها بغداد ليلة الخميس وفجر الجمعة، والتي انتهت بتفاهم بين رئيس الوزراء علي فالح الزيدي وزعيم منظمة بدر هادي العامري، قضى بتهدئة متبادلة بين الحكومة والفصائل المسلحة، وإفساح المجال أمام تحرك دبلوماسي عراقي لمعالجة الأزمة مع السعودية.
وبحسب حديث المصادر لوكالة شفق نيوز، فإن العامري عقد اجتماعاً فجرياً مع الزيدي، في ذروة حالة الاستنفار الأمني التي شهدتها العاصمة ومحافظات أخرى، وجرى خلال اللقاء بحث التهديدات التي أطلقتها فصائل مسلحة بالرد على السعودية، مقابل الإجراءات التي كانت الحكومة تستعد لاتخاذها ضد جماعات مسلحة وأطراف متهمة بتنفيذ هجمات خارج الحدود.
ربط السلاح بالانسحاب
من جانبها، ترى القوى القريبة من الفصائل المسلحة أن القضية لا يمكن فصلها عن وجود القوات الأجنبية في العراق.
وفي هذا الجانب، يعتقد المحلل السياسي المقرب من الإطار التنسيقي، عماد المسافر، إن سلاح الفصائل، من وجهة نظرها، ظهر نتيجة الحاجة إلى مواجهة الاحتلال الأميركي للعراق، وإن الاتفاق على خروج القوات الأميركية في 30 أيلول/ سبتمبر المقبل يمثل نقطة تحول في هذا الملف.
وفي حديث لوكالة شفق نيوز، يضيف المسافر، أن هناك احتمالاً لاستمرار الحوار بين الحكومة والفصائل للوصول إلى ترتيبات تضمن قدرة الدولة العراقية على إدارة شؤونها الداخلية، مع الحفاظ على دور القوى التي شاركت في مواجهة تنظيم “داعش”.
ويبين أن الحكومة لا ترغب في الدخول بمواجهة مع الفصائل، كما أن الفصائل لا تسعى إلى “تعجيز الحكومة”، لافتاً إلى أن العلاقة بين الطرفين معقدة بسبب تشابكها السياسي والاجتماعي وأن الحكومة تدرك أن هذه الفصائل جزء من النسيج العراقي، ولذلك فإن خيار الحوار يبقى هو المسار الأكثر ترجيحاً.
رفض حصر السلاح
وكان الأمين العام لكتائب حزب الله أبو حسين الحميداوي قد أعلن رفض تسليم السلاح، مؤكداً التوجه نحو تطوير وتعظيم القدرات العسكرية، معتبراً أن التطورات الإقليمية والضربات الأميركية والسعودية الأخيرة تمثل سبباً إضافياً للتمسك بالسلاح.
كما أعلنت فصائل أخرى، بينها حركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، رفض التخلي عن قدراتها العسكرية، معتبرة أن أي نقاش حول السلاح يجب أن يرتبط بانسحاب القوات الأجنبية وضمان حماية العراق من الاعتداءات الخارجية.
في حين، أعلنت بعض الفصائل استعدادها لإعادة تنظيم علاقتها مع الدولة، في وقت تتحدث فيه الحكومة عن مسار تدريجي يقوم على دمج القرار الأمني ضمن مؤسسات الدولة.
ورغم اللهجة الحازمة التي رافقت قرار “ائتلاف إدارة الدولة”، يرى مصدر في الإطار التنسيقي أن موعد 30 أيلول/ سبتمبر قد لا يكون بالضرورة نقطة فاصلة غير قابلة للتعديل.
ويقول المصدر لوكالة شفق نيوز، إن الإطار قد ينظر إلى الموعد باعتباره “سقفاً مرناً قابلاً للتفاوض”، موضحاً أن قدرة حكومة الزيدي على المضي في الملف لا تعتمد على الأدوات العسكرية أو القانونية فقط، بل على قدرتها على إدارة التوازن بين الضغوط الأميركية والتحفظات الفصائلية.
ويضيف أن الولايات المتحدة تمتلك أوراقاً اقتصادية وسياسية مهمة، في حين تمتلك الفصائل نفوذاً أمنياً وعسكرياً على الأرض، ما يجعل أي حل بحاجة إلى تفاهمات أوسع من مجرد قرار حكومي.
ويخلص المصدر، إلى أن نجاح الملف يحتاج إلى تفاهم أمني وإقليمي يجعل خروج القوات الأميركية واقعاً ملموساً، وإلا فقد يتحول موعد 30 أيلول/ سبتمبر إلى إعلان سياسي يعقبه تمديد ضمني أو ترتيبات جديدة.
