تشهد بغداد وعددًا من المحافظات العراقية، إلى جانب إقليم كردستان، أزمة متجددة في البنزين، تجسدت في طوابير طويلة أمام محطات الوقود وانتظار المواطنين لساعات للحصول على احتياجاتهم. وتأتي الأزمة رغم إعلان الحكومة السابقة، قبل نحو تسعة أشهر، تحقيق الاكتفاء الذاتي من المشتقات النفطية والاستعداد للانتقال تدريجيًا إلى التصدير.

وتشير المعطيات والتصريحات الرسمية والخبراء إلى أن الأزمة لا ترتبط بعامل واحد، بل نتجت عن ثلاثة أسباب رئيسية متداخلة.

أولًا: فجوة الإنتاج والاستهلاك وارتفاع الطلب.يستهلك العراق نحو 31 إلى 33 مليون لتر من البنزين يوميًا، بينما يقترب الإنتاج المحلي من 30 إلى 32 مليون لتر. وفي حالات القلق وازدياد الطلب، قد يرتفع الاستهلاك إلى نحو 38 مليون لتر يوميًا، وفق وزارة النفط. وهذا يعني أن منظومة التجهيز تعمل قريبًا من طاقتها القصوى، بحيث يمكن لأي زيادة مفاجئة في الطلب أو انخفاض محدود في الإنتاج أن يتحول سريعًا إلى شح وطوابير، خصوصًا في البنزين المحسن.

كما أثار خبراء تساؤلات بشأن دقة أرقام الاستهلاك الرسمية، التي تراوحت في تصريحات سابقة بين 29 و38 مليون لتر يوميًا، ما يعكس الحاجة إلى بيانات أكثر وضوحًا وتدقيقًا لتحديد حجم الطلب الحقيقي.

ثانيًا: محدودية المصافي والاعتماد على الاستيراد.على الرغم من امتلاك العراق احتياطيات وإنتاجًا نفطيًا ضخمًا، ما زالت قدرته على تكرير الخام وإنتاج المشتقات محدودة. وخلال العقدين الماضيين أُنشئ مصفى كربلاء بطاقة 140 ألف برميل يوميًا، بينما لا يزال مصفى بيجي يعمل بطاقة أقل بكثير من قدرته الأصلية بعد الأضرار التي لحقت به.

وتعتمد وزارة النفط عند حدوث فجوة بين الإنتاج والاستهلاك على استيراد البنزين، لكن التوترات الإقليمية والحرب الدائرة في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز، بحسب الوزارة، أدت إلى صعوبات في تأمين الناقلات وتأخير وصول الشحنات وارتفاع كلف الاستيراد. كما أن الأعطال الفنية في بعض وحدات المصافي تزيد الضغط على السوق المحلية.

ثالثًا: مشكلات الإدارة والتوزيع والفساد المحتمل.يرى خبراء أن ضعف التخطيط الاستباقي وإدارة الخزين والتوزيع يجعل الأزمة تتكرر بصورة موسمية، فيما تتحدث انتقادات أخرى عن تسريب وتهريب المشتقات النفطية ووجود خلل في إدارة العقود. وفي المقابل، طرحت تصريحات خبراء فرضية أن حملات مكافحة الفساد واعتقال مسؤولين نافذين في قطاع النفط أحدثت فراغًا إداريًا انعكس على أداء بعض المؤسسات والمصافي، وهي فرضية تحتاج إلى أدلة وتحقيقات مستقلة لإثباتها.

أما الحكومة، فتؤكد أن النقص مؤقت وأنها تعمل على تعويضه عبر شحنات إضافية وزيادة الخزين، مشيرة إلى أن الأزمة مرتبطة أساسًا بفجوة بين الإنتاج والاستهلاك ومشكلات لوجستية في الاستيراد.

وفي إقليم كردستان، تتداخل عوامل أخرى مع الأزمة، أبرزها محدودية كميات النفط الخام المخصصة للمصافي المحلية وارتفاع كلف التشغيل، إضافة إلى اختلاف مستوى الدعم الحكومي مقارنة ببقية العراق.

إعلان الاكتفاء الذاتي لا يعني بالضرورة امتلاك منظومة مستقرة وقادرة على مواجهة الصدمات. فاستدامة توفير الوقود تتطلب توسيع المصافي، وتحسين إدارة الخزين والتوزيع، وتوحيد البيانات الرسمية حول الاستهلاك، وتشديد الرقابة على حركة المشتقات، إلى جانب تقليل الاعتماد على الاستيراد. كما أن معالجة الاختناقات اللوجستية والإدارية تبقى ضرورية حتى لا تتحول أي زيادة مؤقتة في الطلب أو أزمة إقليمية إلى أزمة وقود داخلية جديدة.

تكشف أزمة البنزين، في جوهرها، عن هشاشة منظومة ما زالت تعتمد على هامش أمان ضيق بين الإنتاج والاستهلاك. ولذلك فإن تجاوز الطوابير بصورة مستدامة لا يرتبط فقط بوصول شحنات إضافية، بل يتطلب تطوير طاقات التكرير، وتحسين إدارة الخزين والتوزيع، وتوفير بيانات دقيقة وشفافة، ومعالجة منافذ الفساد والتهريب، بما يقلل اعتماد العراق على الاستيراد عند أول صدمة محلية أو إقليمية.