شفق نيوز- بغداد/ أربيل
يدخل قضاء سنجار في محافظة نينوى شمال غربي العراق، يوم الاثنين، مرحلة أمنية جديدة مع بدء دمج وحدات مقاومة سنجار “اليبشة” في المؤسسات الأمنية الاتحادية، وتسلم السلطات الاتحادية المسؤولية الأمنية في جبل سنجار، في خطوة تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء تعدد القوى المسلحة.
وأعلنت الحكومة العراقية، الاثنين، بدء تنفيذ إجراءات فك الارتباط العسكري المستقل لوحدات حماية سنجار، بإشراف القائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي، فيما أكدت قيادة الوحدات التوصل إلى اتفاق مع الحكومة الاتحادية لدمج قواتها، التي يبلغ قوامها 4165 مقاتلاً ومقاتلة، ضمن المنظومة الأمنية الرسمية.
توحيد القرار الأمني
وفي هذا السياق، يقول رئيس خلية الإعلام الأمني في العراق، الفريق سعد معن، إن مراسم التسليم شملت أعلى نقطة استراتيجية في جبل سنجار، مؤكداً أن العملية انتقلت من مرحلة التفاوض إلى التطبيق الفعلي، على أن تبدأ لجان مختصة إجراءات دمج المقاتلين في وزارتي الداخلية والدفاع، واستلام مناطق أخرى، بينها منطقة القلعة.
ويضيف معن لوكالة شفق نيوز، أن دمج الوحدات ونقل المسؤولية الأمنية إلى السلطات الاتحادية يمثلان خطوة لتعزيز سلطة الدولة وترسيخ الاستقرار، مشيراً إلى أن توحيد الجهود بين التشكيلات الأمنية الرسمية، وتعزيز التعاون بين القوات الاتحادية والبيشمركة، من شأنهما إنهاء التداخل في المسؤوليات وتوحيد القرار الأمني وحماية الحدود.
بدوره، أكد الناطق باسم القائد العام، صباح النعمان، في بيان ورد لوكالة شفق نيوز، الاثنين، أن الخطوة تأتي ضمن برنامج حصر السلاح بيد الدولة، مع التشديد على حفظ حقوق المقاتلين، وتعويض ذوي الضحايا والمتضررين من العمليات الإرهابية، وإعادة إعمار سنجار، التي شهدت إبادة جماعية بحق الإيزيديين على يد تنظيم “داعش” في آب/ أغسطس 2014.
تعدد القوى
وتأسست وحدات مقاومة سنجار ووحدات المرأة في سنجار خلال مرحلة المواجهة مع تنظيم “داعش”، بعدما اجتاح التنظيم مناطق واسعة من نينوى في عام 2014، وارتكب انتهاكات واسعة بحق الإيزيديين، شملت القتل والسبي والتهجير.
وقالت قيادة الوحدات، في بيان ورد لوكالة شفق نيوز، الاثنين، إن إنهاء الارتباط العسكري المستقل لا يعني التنكر لتضحيات سنوات المقاومة، بل الانتقال إلى العمل ضمن مؤسسات الدولة، مؤكدة أن توحيد القرار الأمني وحصر السلاح بيد السلطات الرسمية يمثلان أساساً لترسيخ السيادة ومنع عودة الإرهاب، شرط ضمان حقوق المقاتلين والمقاتلات وأمن سنجار.
وفي هذا الجانب، يرى الخبير الأمني، مخلد الدرب، أن فك الارتباط يمثل خطوة مهمة في مسار حصر السلاح بيد الدولة، في منطقة تحولت إلى بؤرة تنافس بين أطراف محلية وخارجية.
ويقول الدرب لوكالة شفق نيوز، إن دمج آلاف المقاتلين ضمن المؤسسات الرسمية، مع الاستفادة من معرفتهم بجغرافية المنطقة، يمكن أن يسهم في تعزيز السيطرة الأمنية، ويفتح المجال أمام تنسيق أكبر بين القوات الاتحادية والبيشمركة، ولا سيما في المناطق الفاصلة بين نطاقي المسؤولية الأمنية.
ويضيف أن وجود جماعات مسلحة مرتبطة بتوجهات حزبية خارج إطار المؤسسات الرسمية أسهم في تعقيد المشهد منذ عام 2014، معتبراً أن الخطوة الحالية تمثل تقدماً في إنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة، وتعزيز سيادة الدولة على المنطقة.
اتفاق غير مكتمل
من جهته، يقول مستشار الشؤون العسكرية والأمنية في المنظمات البحثية والدراسية، والأمين العام السابق لوزارة البيشمركة، الفريق أول المتقاعد جبار ياور، إن تعدد الجماعات المسلحة وانتماءاتها السياسية كان من أبرز أسباب تعقيد الوضع في سنجار، إلى جانب الاشتباكات التي وقعت بين بعض تلك الجماعات والقوات الاتحادية، فضلاً عن تعرض مواقع لقصف تركي.
ويضيف ياور لوكالة شفق نيوز، أن وجود تشكيلات مسلحة متعددة داخل القضاء أسهم في إعاقة عودة النازحين، الذين لا يزال كثير منهم في إقليم كوردستان، ولا سيما محافظة دهوك، مشيراً إلى أن توحيد المسؤولية الأمنية وحصر القوات داخل المدن بقوات الشرطة يمثلان مدخلاً لمعالجة جانب أساسي من الأزمة.
ويلفت إلى أن اتفاقاً سابقاً بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان، حظي بدعم أممي، لم يُنفذ بسبب اعتراضات من أطراف سياسية ومكونات داخل سنجار، مشيراً إلى وجود اختلاف في الرؤى بشأن إدارة الملف، قائلاً إنه لا يملك معلومات تؤكد وجود تنسيق حالي بين بغداد وأربيل حول خطوات دمج القوات أو مستقبل الإدارة المحلية.
ويشدد ياور على ضرورة أن تقتصر القوات الموجودة داخل مدينة سنجار على الشرطة، وأن يجري اختيار قائممقام يحظى بقبول الأهالي، ولا سيما أبناء المكون الإيزيدي، بما يعزز الثقة بالإدارة المحلية ويمنحها القدرة على أداء مهامها.
وكانت الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كوردستان قد وقعتا، برعاية أممية، اتفاق سنجار في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، بهدف تنظيم الأوضاع الأمنية والإدارية، وإعادة الإعمار وتهيئة الظروف لعودة النازحين. غير أن تنفيذ الاتفاق تعثر، وسط خلافات بشأن إدارة القضاء واختيار قائممقام مستقل يحظى بقبول الأطراف المعنية، وفقاً لما نص عليه الاتفاق.
تنسيق مطلوب
من جانبه، يدعو الخبير الأمني والعسكري، العميد المتقاعد عدنان الكناني، إلى تشكيل لجنة مشتركة من القيادات العسكرية والأمنية لدراسة الوضع في سنجار من الجانبين العسكري والاستراتيجي، وتحديد آليات التنسيق بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان.
ويقول الكناني لوكالة شفق نيوز، إن أهمية سنجار وموقعها الجغرافي يفرضان دراسة المصالح والأطراف المؤثرة في القضاء، والاستفادة من خبرات الضباط المتقاعدين، وصولاً إلى توصيات عملية قابلة للتنفيذ وتضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الأخرى.
ويضيف أن اللجنة المقترحة ينبغي أن تراجع ما تحقق من اتفاقات سابقة، وتحدد المصالح التي يمكن أن تحققها الترتيبات الأمنية الجديدة للدولة ولأبناء سنجار، بما يضمن استدامة الاستقرار وعدم الاكتفاء بإجراءات ميدانية مؤقتة.
الإعمار والعودة
ولا تنحصر تحديات سنجار في الملف الأمني؛ إذ لا تزال إعادة إعمار المناطق المتضررة، وإعادة النازحين، واستعادة الخدمات الأساسية، من أبرز العقبات أمام استقرار القضاء.
وأكد محافظ نينوى، عبد القادر الدخيل، خلال مراسم التسليم، أن بسط سلطة القانون وحصر السلاح بيد الدولة يجب أن يترافقا مع إعادة الإعمار وتوفير الخدمات، معلناً إعداد خطة شاملة لإعمار سنجار وتهيئة الظروف لعودة طوعية وآمنة للنازحين إلى مناطقهم الأصلية.
وأشار الدخيل في كلمته التي تابعتها وكالة شفق نيوز، إلى أن الإدارة المحلية تسعى إلى ترميم ما دمرته الحروب وجرائم تنظيم “داعش”، وإعادة بناء الثقة وتعزيز التعايش السلمي وتنشيط التنمية الاقتصادية، مؤكداً أن الاستقرار الأمني لن يكتمل من دون حياة كريمة وخدمات أساسية للسكان.
ويتفق ذلك مع ما طرحه ياور في ختام حديثه بشأن ضرورة إعادة بناء الطرق وشبكات المياه والكهرباء، وتأهيل المستشفيات والمدارس والمنازل المتضررة، باعتبارها شروطاً أساسية لتهيئة الظروف أمام عودة الإيزيديين النازحين، ولا سيما المقيمين في مخيمات محافظة دهوك بإقليم كوردستان.
