شفق نيوز- النجف

لم يتبق من سور النجف الأخير سوى أجزاء محدودة يتجاوز طولها الإجمالي 100 متر، تقع في شارع السدير وسط المدينة القديمة، حيث لا تظهر معالم السور بوضوح، باستثناء أجزاء منه استطاعت أن تعلو فوق المحال التجارية التي حجبت معظم واجهته، فيما ارتفعت خلفه بنايات الفنادق، في مشهد يعكس حجم التحولات العمرانية التي شهدتها المنطقة.

وتحمل هذه الأجزاء المتبقية ذاكرة مرحلة مهمة من تاريخ النجف، إذ كان السور يمثل حصناً دفاعياً ومانعاً يحمي المدينة وسكانها من الغزوات والهجمات التي كانت تستهدفها، فضلاً عن دوره في تنظيم مداخل المدينة وحركة الدخول إليها والخروج منها.

وأكد الباحث التاريخي والمهندس الاستشاري تحسين عمارة، أن أسوار النجف القديمة تمثل شواهد تاريخية وعمرانية مهمة توثق مراحل تطور المدينة واتساعها عبر القرون، مشيراً إلى أن سور النجف الأخير يمثل إحدى أبرز المحطات في تاريخها العمراني، لما يحمله من تفاصيل معمارية ودفاعية تعكس طبيعة الحياة في المدينة خلال تلك الحقبة.

وقال عمارة لوكالة شفق نيوز إن دراسة أسوار النجف تتطلب العودة إلى المصادر التاريخية والخرائط القديمة والصور الفوتوغرافية، إلى جانب تتبع الآثار العمرانية المتبقية داخل المدينة القديمة، للوصول إلى تصور دقيق عن مواقع الأسوار ومراحل بنائها واندثارها.

وأوضح أن السور في العمارة الإسلامية لم يكن مجرد جدار يحيط بالمدينة، بل منظومة دفاعية متكاملة تتألف من جدران مرتفعة وسميكة وأبراج دفاعية وأبواب رئيسية، وقد تحيط به خنادق لتعزيز قدرته على حماية السكان من الهجمات، وهي خصائص ظهرت في نماذج متعددة من أسوار المدن العربية والإسلامية.

وأضاف أن تحديد عدد الأسوار التي شهدتها النجف عبر تاريخها يستدعي دراسة مقارنة للروايات التاريخية، نظراً لاختلاف المصادر في بعض التفاصيل المتعلقة بمواقعها وتواريخ إنشائها، فضلاً عن ضرورة التمييز بين الأسوار التي أحاطت بالمدينة فعلياً والتحصينات التي أقيمت لحماية المرقد العلوي أو أجزاء محددة من المنطقة.

وأشار إلى أن الخرائط التاريخية والصور القديمة تمثل أدوات أساسية في إعادة رسم الحدود العمرانية للنجف القديمة، إذ تساعد مقارنة مواقع الأزقة والبيوت الكبيرة والخانات والأسواق في تحديد الامتدادات المحتملة للأسوار السابقة، والكشف عن ارتباطها بمراحل توسع المدينة.

وبيّن عمارة أن بناء سور النجف الأخير بدأ نحو عام 1802، واستمر العمل فيه حتى عام 1811، ليشكل أحد أبرز المنشآت الدفاعية التي أحاطت بالمدينة، موضحاً أنه تميز بارتفاعه وأبراجه الدفاعية والخندق المحيط به، فضلاً عن أبوابه التي نظمت حركة الدخول إلى النجف والخروج منها.

ولفت إلى أن الصور التاريخية وثقت أجزاء من السور ومداخله في مراحل زمنية مختلفة، وكشفت عن تفاصيل معمارية لم يعد الكثير منها قائماً اليوم، مبيناً أن إحدى الصور  توثق السور عام 1918، فيما تتيح صور أخرى وخرائط قديمة تتبع التغيرات التي طرأت عليه وعلى محيطه.

وأضاف أن عمليات هدم السور والتوسع العمراني أدت إلى اختفاء أجزاء واسعة منه، في حين لا تزال بعض الآثار والبقايا العمرانية تمثل شواهد يمكن الاستفادة منها في تحديد موقعه ومساره، مؤكداً أهمية التعامل معها بوصفها جزءاً أصيلاً من الذاكرة التاريخية والتراث العمراني للنجف.

وشدد عمارة على ضرورة الاهتمام بما تبقى من السور وتوثيق أجزائه ميدانياً، ومقارنة نتائج المسح بالخرائط والصور والمصادر التاريخية، داعياً إلى الاستفادة من تجارب المدن العربية والإسلامية التي حافظت على أسوارها القديمة وأعادت تأهيلها لتصبح معالم بارزة في هويتها العمرانية والثقافية.

وختم عمارة بالقول إن الحفاظ على الأسوار التاريخية لا يتعارض مع تطور المدن وتوسعها، بل يمكن تحقيقه من خلال حلول تخطيطية تضمن حماية المعالم التراثية، وتتيح للسكان ممارسة حياتهم بصورة طبيعية، بما يسهم في نقل ذاكرة النجف التاريخية إلى الأجيال المقبلة.

ستة أسوار

وشهدت مدينة النجف، عبر تاريخها، مراحل متعددة من إنشاء الأسوار والتحصينات التي ارتبطت بحماية المرقد العلوي وتطور المدينة واتساع عمرانها. وتورد الروايات التاريخية ستة أسوار رئيسية ارتبطت بمراحل مختلفة من تاريخ النجف، مع وجود تباين في بعض التفاصيل والتواريخ المتعلقة بها.

السور الأول: يُنسب إلى محمد بن زيد الداعي العلوي، صاحب طبرستان، ويُرجّح أن بناءه يعود إلى نحو سنة 287هـ، الموافق 900–901م.

السور الثاني: يُنسب إلى أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان الحمداني، ويُرجّح بناؤه نحو سنة 312هـ، الموافق 924–925م.

السور الثالث: يرتبط بعصر الدولة البويهية، ويُنسب إلى عضد الدولة فناخسرو بن بويه، ويؤرّخ عادةً إلى الفترة الممتدة بين سنتي 367 و372هـ، الموافق 977–983م.

السور الرابع: يُنسب إلى أبي محمد الحسن بن سهلان، وزير الدولة البويهية، وتذكر إحدى الروايات أنه أمر ببنائه سنة 400هـ، الموافق 1009–1010م.

السور الخامس: يُنسب إلى السلطان أويس الجلائري خلال القرن الثامن الهجري، فيما لا يزال تاريخ إنشائه الدقيق بحاجة إلى مزيد من التحقق والبحث في المصادر التاريخية.

السور السادس والأخير: يُنسب إلى الحاج محمد حسين العلاف الأصفهاني، المعروف بنظام الدولة، وبدأ بناؤه سنة 1217هـ، الموافق 1802–1803م، واكتمل سنة 1226هـ، الموافق 1811–1812م، وفق الرواية التاريخية المشار إليها.

وتشكل هذه الأسوار بمراحلها المختلفة سجلاً عمرانياً وتاريخياً لتحولات النجف، فيما تبرز أهمية مواصلة البحث في مواقعها وأطوالها وتفاصيلها المعمارية ومراحل اندثارها، وصولاً إلى توثيق ما تبقى من شواهدها والحفاظ عليها بوصفها جزءاً من الهوية التاريخية للمدينة.

من جانبه، قال مدير مفتشية آثار وتراث النجف، محمد هادي الميالي، لوكالة شفق نيوز، إن سور النجف يمثل قيمة تراثية وتاريخية تستحق الاهتمام والحماية، مبيناً أن وزارة الثقافة والسياحة والآثار تولي اهتماماً بالمواقع الأثرية والتراثية في مختلف أنحاء العراق، وتسعى إلى الحفاظ عليها وصونها.

وأوضح الميالي أن سور النجف يمتلك مؤهلات تاريخية وعمرانية تستحق الدراسة والتقييم وفق متطلبات ومعايير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، الأمر الذي يتيح بحث إمكانية إدراجه ضمن قائمة التراث العالمي، بما يعزز مكانته التاريخية والحضارية ويدعم الجهود الرامية إلى حماية إرث النجف ونقله إلى الأجيال المقبلة.