آثار رفع علم کبیر لاقليم كوردستان العراق في ممر قصر الشعب بدمشق خلال استقبال الرئيس نيجيرفان بارزاني، موجة من الانتقادات والسجال الإعلامي افتقر إلى الدقة والموضوعية، لأن علم الاقليم لم يُرفع منفرداً، بل رافق العلم العراقي الاتحادي منذ الاستقبال في مطار دمشق وحتى قاعة الاجتماعات الرسمية، وهو ما يجعل كثيراً من الأحكام التي أُطلقت خلال اليومين الماضيين أقرب إلى ردود فعل متعجلة منها إلى تقييم سياسي رصين.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الجدل أنه تجاهل السياق السياسي لصاحب الزيارة وسجلّه المعروف. فالجميع يعلم أن الرئيس نيجيرفان بارزاني لم يتعامل يوما مع اقليم كوردستان وقضاياه بمعزل عن العراق الاتحادي، بل انطلق دائماً من رؤية ثابتة تعتبر العراق وطناً للشراكة بين العرب والكورد وبقية المكونات، والعلم العراقي رمزاً جامعاً لجميع العراقيين، وأن بغداد تمثل العمق الاستراتيجي للاقليم والساحة الأنسب لحل الخلافات عبر الحوار والشراكة الدستورية. ولذلك، لم يكن العراق في خطاباته ومواقفه وخياراته السياسية مجرد إطار دستوري، بل قضية وطنية راسخة.
ولم تشهد أي من زياراته الخارجية خروجاً على هذا النهج؛ إذ حرص باستمرار على أن يكون حضوره باسم العراق وإقليم كوردستان معاً، وأن تسهم تحركاته في توسيع شبكة العلاقات بما يخدم مصالح العراق والإقليم في آن واحد، لا أن تقدم أحدهما على الآخر أو توحي بازدواجية في التمثيل. ومن يتابع مسيرته السياسية يدرك أن هذا السلوك لم يكن استثناءً فرضته مناسبة بعينها، بل نهجاً ثابتاً ومتسقاً يصعب تجاهله أو القفز عليه عند تقييم أي مشهد بروتوكولي.
إن اختزال الزيارة ونتائجها الايجابية، في حجم الراية الكوردستانية في إحدى ممرات قصر الاستقبال، مع التغاضي عن حضور العلم العراقي إلى جانبها في جمیع اللقاءات والاجتماعات الرسمية، لا يعكس حرصاً حقيقياً على السيادة بقدر ما يكشف عن قراءة شكوكية وانفعالية لم و لن تخدم المشهد العراقي.
فالرموز لا تُقرأ بمعزل عن سياقها، ولا تُفسَّر خارج الرسائل السياسية التي تحملها، ورسالة هذا المشهد كانت واضحة في تأكيدها على الشراكة الدستورية والتكامل الوطني م مصالح العراق بشکل عام.
ولا خلاف على أن صون سيادة العراق ورموزه واجب وطني لا يقبل المساومة، لكن هذا الواجب يقتضي تحرّي الدقة والإنصاف قبل إطلاق الأحكام، وأن تُقاس المواقف بمجمل الوقائع لا بصورة مجتزأة أو مشهد معزول.
أما القلق على الإقليم ورئيسه في الحرص على علم العراق فلا مبرر له؛ فهما يرفعان إلى جانب علم العراق علم كوردستان فقط، وهو علم دستوري عراقي حالە حال علم العراق ويفخران بهما معاً، ولا یوجد في الاقليم ایة أعلام او رموز أخرى غریبة عن العراق ورومزها الدستوریة.
فاطمئنوا لا خوف علی الإقليم..
