شفق نيوز- متابعة

يشهد البحر المتوسط تحولاً بيئياً متسارعاً مع تجاوز عدد الأنواع البحرية غير الأصلية فيه حاجز الألف، مقارنة بأقل من 800 نوع قبل نحو عقد، في وقت تشير بيانات بحثية إلى دخول كائن جديد إلى مياهه كل أسبوعين تقريباً.

وكشف مسح أعدته أكاديمية قبرص للعلوم والآداب والفنون، بمشاركة باحثين من 11 دولة، عن تزايد وصول الأسماك والقشريات والكائنات الاستوائية إلى المتوسط، مدفوعة بعوامل عدة، أبرزها ارتفاع حرارة المياه واتساع حركة انتقال الأنواع من البحر الأحمر عبر قناة السويس.

ولا تقتصر الظاهرة على شرق المتوسط، إذ تنتشر الأنواع الوافدة تدريجياً من سواحل مصر وبلاد الشام وتركيا باتجاه اليونان وقبرص، قبل أن تمتد إلى وسط الحوض وغربه، ما يهدد بإحداث تغييرات واسعة في النظم البيئية البحرية على امتداد السواحل العربية والأوروبية.

ويحذر الباحثون من أن بعض هذه الأنواع ينافس الأسماك المحلية على الغذاء، فيما يتسبب بعضها الآخر في اضطراب السلسلة الغذائية أو يحمل سموماً خطرة أو يلحق أضراراً بمعدات الصيد، ما ينعكس على كميات الصيد ومداخيل الصيادين.

وتعد سمكة الأسد من أبرز الأنواع المثيرة للقلق، نظراً إلى شهيتها الكبيرة للأسماك والقشريات، فضلاً عن عدم وجود أعداء طبيعية معروفة لها في المتوسط، بينما تمنحها أشواكها السامة حماية إضافية في مواجهة الكائنات المحلية.

أما سمكة الأرنب، فتتسبب في تغييرات مختلفة، إذ تلتهم كميات كبيرة من الطحالب والنباتات البحرية، ما يؤدي إلى تراجع الغطاء النباتي وحرمان الأسماك العاشبة المحلية من مصادر غذائها.

وتبرز كذلك السمكة المنتفخة فضية الخد، المعروفة علمياً باسم “لاغوسيفالوس”، والتي تمتلك أسناناً قوية قادرة على تمزيق شباك الصيادين ومهاجمة الأسماك والأخطبوط.

وتكمن خطورتها أيضاً في احتوائها على سم عصبي شديد السمية قد يكون قاتلاً للإنسان عند تناولها، ما يجعلها غير صالحة للاستهلاك الغذائي التقليدي.

وفي اليونان وحدها، دخل أكثر من 230 نوعاً غير أصلي إلى المياه خلال العقود الأخيرة، فيما يقول صيادون في جزيرة كريت إن انتشار السمكة المنتفخة تسبب بأضرار كبيرة لشباك الصيد، إلى جانب تراجع كميات الأخطبوط.

ورغم أن البحر المتوسط لا يشكل سوى أقل من 1% من مساحة محيطات العالم، فإنه يضم، وفق بعض التقديرات، ما يصل إلى 18% من الأنواع البحرية المعروفة، ما يجعل التغيرات التي يشهدها ذات أهمية بيئية كبيرة.

وساهمت قناة السويس، منذ افتتاحها، في انتقال كائنات من البحر الأحمر والمحيط الهندي إلى المتوسط، إلا أن اختلاف درجات الحرارة كان يحد في السابق من قدرة العديد من الأنواع الاستوائية على الاستقرار والتكاثر.

ومع ارتفاع حرارة مياه المتوسط، أصبحت الظروف أكثر ملاءمة لاستقرار هذه الأنواع، خصوصاً في الجزء الشرقي منه.

وقال الباحث في مختبر الأبحاث البحرية والبيئية في قبرص، بيريكليس كليتو، إن التغيرات تسارعت بشكل حاد منذ عام 2000، بالتزامن مع انتشار الأنواع الوافدة وتراجع الأنواع المحلية.

ولا يقتصر انتقال الكائنات على قناة السويس وارتفاع الحرارة، إذ تسهم حركة السفن في نقل كائنات دقيقة ويرقات عبر مياه التوازن أو على هياكلها، فيما تساعد التجارة البحرية والصيد والاستزراع المائي في انتشار أنواع إضافية.

ومع صعوبة القضاء على معظم الأنواع الوافدة بعد استقرارها، بدأ باحثون وصيادون في دول المتوسط البحث عن طرق لتحويل بعضها من مصدر تهديد إلى مورد اقتصادي.

وتختبر فرق بحثية في قبرص مصائد انتقائية تستهدف سمكة الأسد وسرطان البحر الأزرق، مع السماح للأسماك الأخرى بالهروب، كما تشجع مطاعم على تقديم سمكة الأسد كغذاء بعد إزالة أشواكها السامة بطريقة آمنة.

وفي قبرص واليونان، أطلقت السلطات برامج وحوافز مالية لتشجيع الصيادين على اصطياد السمكة المنتفخة وخفض أعدادها، بينما يبحث العلماء إمكان الاستفادة من جلدها في صناعات مختلفة، إلى جانب استخدام أجزاء منها في الأعلاف ومستحضرات التجميل والأدوية، وفق ضوابط تمنع تعرض المستهلكين للسم.

ويرى الباحثون أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا تمنع وصول أنواع جديدة إلى المتوسط، ما يجعل الرصد المبكر والتعاون بين دول المنطقة أدوات أساسية للحد من تداعيات الظاهرة.

ولا يكمن الخطر في ظهور نوع غريب واحد، بحسب الباحثين، وإنما في التغير التدريجي للنظام البيئي للبحر المتوسط، مع تراجع أنواع اعتاد عليها الصيادون لعقود وصعود كائنات وافدة من بيئات أكثر دفئاً.