شفق نيوز- بغداد   

منذ أن تشكل الإطار التنسيقي الذي يجمع القوى السياسية الشيعية الحاكمة في العراق عام 2021، بهدف توحيد موقفها السياسي بعد نتائج الانتخابات البرلمانية المبكرة ومواجهة مشروع تشكيل حكومة أغلبية بقيادة التيار الصدري، يواجه التحالف في المرحلة الحالية، سلسلة تحديات تهدد قدرته على الحفاظ على تماسكه الداخلي ودوره على إدارة الملفات الكبرى في البلاد.     

ويرى مراقبون أن التحالف الذي نشأ بوصفه جبهة موحدة في مواجهة خصم سياسي مشترك، تحول تدريجياً إلى مساحة صراع بين قوى تمتلك رؤى مختلفة بشأن شكل الدولة، ودور الأحزاب، وحدود نفوذ الفصائل، ما دفع إلى تساؤلات حول ما إذا كان الإطار التنسيقي مقبلاً على مرحلة تفكك معلن، أم أنه سيعيد إنتاج نفسه بصيغة جديدة.

صراع النفوذ الداخلي

ويضم الإطار التنسيقي قوى سياسية شيعية مختلفة، بينها ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، وتحالف الفتح بزعامة هادي العامري، وتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، وائتلاف النصر بزعامة حيدر العبادي، إضافة إلى قوى مرتبطة بالفصائل المسلحة مثل عصائب أهل الحق وحركة حقوق وقوى أخرى.

وكان الهدف الأول للتحالف منع تمرير مشروع التيار الصدري لتشكيل حكومة أغلبية سياسية تستبعد القوى المنضوية في الإطار، والعودة إلى نموذج الحكومات التوافقية الذي ساد منذ عام 2003.

لكن انسحاب نواب التيار الصدري من البرلمان في حزيران/ يونيو 2022 غيّر موازين القوى، إذ أصبح الإطار الكتلة الأكبر داخل مجلس النواب، وانتقل من موقع المعارضة إلى موقع قيادة عملية تشكيل الحكومة.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2022، تمكن الإطار من تمرير حكومة محمد شياع السوداني، بعد تشكيل تحالف “إدارة الدولة” الذي جمع القوى الشيعية والسنية والكوردية.

بروز الخلافات

ومع استقرار الإطار في السلطة، بدأت الخلافات التي كانت مؤجلة خلال مرحلة مواجهة الصدر بالظهور تدريجياً، إذ انتقلت المنافسة من حماية التحالف إلى الصراع على النفوذ داخل مؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق، يقول أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، عصام الفيلي، إن “الإطار التنسيقي حتى في لحظة نشأته اتخذ عنواناً غير مفهوم، فهو لم يتخذ شكل كتلة أو تكتل أو ائتلاف بالمعنى التقليدي، وإنما جاءت ظروف معينة دفعت القوى إلى تشكيل إطار يجمعها”.

ويضيف الفيلي لوكالة شفق نيوز، أن “السبب الموضوعي لتشكيله كان معارضة ما تبناه التيار الصدري، لذلك كان في الأصل ائتلاف معارضة، لكنه حرص على بقاء اسمه بصورة رمزية، بينما الواقع أنه يمثل مجموعة قوى مختلفة وغير متفقة في الكثير من الملفات”.

ويشير إلى أن “الخلافات ظهرت حتى عند لحظة تشكيل حكومة السوداني، إذ برزت صراعات بين قادة الإطار، كما أن اختيار رئيس الوزراء الحالي علي فالح الزيدي لم يكن محل اتفاق كامل، قبل أن يتم التوافق عليه”.

السوداني والإطار

وخلال حكومة محمد شياع السوداني، حاول رئيس الوزراء بناء مساحة سياسية خاصة به بعيداً عن الهيمنة الكاملة للإطار التنسيقي، وفق قراءات سياسية، إلا أن ذلك أدى إلى توترات مع بعض القوى التي أوصلته إلى السلطة.

وفي هذا الجانب، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة إكستر البريطانية، هيثم الهيتي، إن “السوداني حاول أن يشكل تحالفاً خاصاً به للخروج تدريجياً من عباءة الإطار، لكنه فشل، وأصبح لاحقاً مستهدفاً سياسياً عبر ملفات الفساد والاتهامات المرتبطة بحكومته”.

ويضيف الهيتي لوكالة شفق نيوز، أن “الإطار أنتج عدة شخصيات سياسية ورؤساء وزراء، آخرها علي الزيدي، ولم يكن أي منهم بعيداً عن تأثيرات الإطار”.

ويرى أن العلاقة بين الحكومة والإطار لم تكن علاقة انفصال، بل علاقة نفوذ متبادل، لافتاً إلى أن “الزيدي جاء بدعم من شخصيات داخل الإطار، بينها هادي العامري وعمار الحكيم ونوري المالكي، ولم يكن مرشحاً خارج إرادة التحالف”.

انقسام حول السلاح

ويعد ملف الفصائل المسلحة ومستقبل هيئة الحشد الشعبي أحد أكثر الملفات حساسية داخل الإطار التنسيقي، إذ تتباين المواقف بين القوى السياسية المرتبطة بالدولة والقوى الأقرب إلى الفصائل المسلحة.

وفي هذا الصدد، يقول الفيلي إن “جزءاً من الفصائل المنضوية تحت الإطار لم يذهب باتجاه تسليم السلاح أو إعادة تنظيمه، وبالتالي فإن المفاوضات المتعلقة بحصر السلاح ليست قراراً جماعياً للإطار، بل تجري بصورة فردية”.

ويشير إلى أن هذا الملف “يمثل أحد التحديات الأساسية أمام تماسك التحالف، خصوصاً مع اختلاف الرؤى حول العلاقة مع المجتمع الدولي والولايات المتحدة”.

ومع انتقال السلطة إلى حكومة علي الزيدي، تصاعدت الخلافات داخل الإطار التنسيقي حول توزيع المناصب وآلية إدارة المرحلة المقبلة.

وأظهرت جلسة منح الثقة للحكومة، وجود تباينات بين مكونات الإطار، بعد عدم تمرير عدد من مرشحي بعض القوى للحقائب الوزارية، ما أثار اتهامات متبادلة بخرق التفاهمات ومحاولة فرض الإرادات.

وتشير قراءات سياسية إلى أن الخلاف لم يعد مقتصراً على توزيع المناصب، بل امتد إلى سؤال أوسع يتعلق بمن يمتلك القرار داخل البيت السياسي الشيعي، وكيفية إدارة الملفات الأمنية والاقتصادية والخارجية.

“ضعف” بلا بديل

ويرى هيثم الهيتي أن “الإطار التنسيقي اليوم في أضعف حالاته، لكنه ما يزال القوة الحاكمة في العراق”.

ويعزو ذلك إلى عدة عوامل، بينها “الوضع الإقليمي الصعب، وتراجع وضع إيران، والشروط الأميركية على العراق، إضافة إلى الموقف العربي الذي أصبح أكثر وضوحاً تجاه بغداد”.

ويضيف أن “المشكلة الأساسية أن الإطار لا يمتلك اليوم شخصية سياسية قادرة على أن تكون زعامة جامعة، ولذلك تم إيجاد شخصية وسطية مثل الزيدي لإدارة المرحلة”.

لكن الهيتي يشير في الوقت نفسه إلى أن “غياب البديل السياسي جعل العراق أمام حالة اختناق، فالإطار لم يعد يقدم غطاء سياسياً حقيقياً بقدر ما يقدم غطاء بروتوكولياً”.

ورغم تصاعد الحديث عن تفكك الإطار التنسيقي، يرى بعض الباحثين أن التحالف لم يفقد دوره بالكامل.

وفي هذا السياق، يقول الباحث في الشأن السياسي، عباس غدير الجبوري: “لا أعتقد أن ما يحدث يمثل تراجعاً للإطار التنسيقي، فهو الراعي السياسي للحكومة العراقية، والزيدي هو نتاج اختيار الإطار ودعمه”.

ويضيف الجبوري لوكالة شفق نيوز، أن “الملفات التي تعالجها الحكومة اليوم لا تنفصل عن إرادة ودعم قوى الإطار، وما يحدث هو إعادة تموضع سياسي تفرضه متغيرات المرحلة وتعقيد الملفات، وليس انسحاباً أو تراجعاً”.