شفق نيوز- متابعة
قال عدد من علماء الفلك إن وجود حضارات متقدمة أخرى في الكون يُعد احتمالاً كبيراً، إلا أن السؤال الذي ما يزال يثير حيرة الباحثين هو: لماذا لم يُعثر حتى الآن على أي دليل يؤكد وجودها؟.
ويُعرف هذا اللغز باسم “مفارقة فيرمي”، وهي التناقض الظاهري بين الاحتمالات الرياضية المرتفعة لوجود حياة ذكية في الكون، والغياب التام لأي دليل أو إشارة تؤكد وجودها. ويعود أصل هذه الفكرة إلى العالم إنريكو فيرمي، الذي طرح عام 1950 سؤاله الشهير: “أين الجميع؟”.
والآن، يرى فريق بحثي من جامعة مانشستر أن السبب قد يكون ببساطة أننا كنا نصغي إلى الترددات الراديوية الخاطئة طوال هذه السنوات.
وتعتمد إحدى أكثر الطرق شيوعا للبحث عن حياة ذكية خارج الأرض على استخدام تلسكوبات راديوية عملاقة لرصد ما يُعرف بـ”البصمات التكنولوجية”، وهي إشارات كهرومغناطيسية أو رسائل قد تبثها حضارة متقدمة.
وركزت معظم عمليات البحث السابقة على نطاق ضيق من الترددات الراديوية يتراوح بين 1.42 و1.66 غيغاهرتز، وهي منطقة تُعرف باسم “حفرة المياه” (Water Hole)، وتتميز بانخفاض مستوى الضوضاء الراديوية الطبيعية فيها.
ويعود سبب اختيار هذا النطاق إلى أنه يقع بين الإشارات الطبيعية المنبعثة من الهيدروجين والهيدروكسيل، وهما مكونان أساسيان للماء، وانطلاقا من ذلك، افترض العلماء أن أي حضارة ذكية قد تختار هذا النطاق لبث إشاراتها، باعتباره “نقطة لقاء” طبيعية يسهل على الحضارات الأخرى التعرف إليها.
وتقترح الدكتورة لويزا ماسون، الباحثة في جامعة مانشستر، تغيير هذه الاستراتيجية والبحث في نطاقات ترددية لم تحظ بالاهتمام الكافي سابقا، وتحديدا في نطاقات الموجات المليمترية ودون المليمترية.
وتشبه ماسون هذه الفكرة بشخص يحاول العثور على محطة إذاعية، لكنه يواصل ضبط جهازه على تردد واحد فقط، في حين قد تكون المحطة التي يبحث عنها تبث على تردد مختلف تماما.
واعتمدت الباحثة على بيانات من تلسكوب “ألما” (ALMA) العملاق في تشيلي، المتخصص في رصد الترددات العالية التي لم تكن محور اهتمام برامج البحث عن الكائنات الفضائية.
ورغم أنها لم تعثر على أي إشارات غير اعتيادية في العينة الصغيرة التي حللتها، والمكونة من أربع جلسات رصد فقط، فإنها تؤكد أن ذلك لا يعني عدم وجود مثل هذه الإشارات، بل يشير إلى الحاجة لإجراء المزيد من الرصد والدراسات.
وخلال تحليل البيانات، توصلت ماسون إلى ملاحظة لافتة، إذ تبين أن علماء الفلك، عند توجيه تلسكوباتهم نحو هدف معين، يلتقطون في الوقت نفسه بيانات من عدد كبير من النجوم الواقعة ضمن مجال رؤية التلسكوب، حتى وإن لم تكن ضمن الأهداف الأصلية للرصد.
وفي السابق، كان الباحثون يقدرون عدد هذه النجوم بالاعتماد على خرائط محدودة، لكن النموذج الجديد كشف أن التلسكوبات كانت تجمع بيانات من عدد أكبر بكثير من النجوم، بما في ذلك نجوم بعيدة وخافتة لم تكن محسوبة سابقا.
وعند تطبيق هذا الاكتشاف على مسح سابق للبحث عن كائنات فضائية شمل 1327 عملية رصد، ارتفع عدد النجوم التي شملها البحث من نحو 288 ألف نجم إلى أكثر من 6.1 ملايين نجم، ويعني ذلك أن العلماء استكشفوا بالفعل مساحة أكبر بكثير مما كانوا يعتقدون، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى ضرورة إعادة النظر في منهجية البحث، وعدم الاكتفاء بالنطاقات الترددية التقليدية.
ويأمل الباحثون أن يسهم الجمع بين عمليات الرصد الجديدة والمحاكاة الحاسوبية للمجرة في تكوين صورة أدق لما جرى استكشافه بالفعل، وتحديد المناطق التي لا تزال بحاجة إلى البحث.
ويخلص الباحثون إلى أن عدم العثور على حضارات فضائية حتى الآن قد لا يعني أنها غير موجودة، بل ربما لأن العلماء ظلوا يبحثون في النطاق الترددي الخطأ، حيث يشبهون ذلك بشخص يبحث عن مفاتيحه تحت عمود إنارة، ليس لأنها سقطت هناك، بل لأن الإضاءة أفضل في ذلك المكان.
