شفق نيوز- متابعة
شهد عالم السيارات خلال السنوات الأخيرة تحولاً كبيراً، فلم تعد المركبات تعتمد على المكونات الميكانيكية التقليدية وحدها، بل أصبحت منظومات متطورة تتداخل فيها المحركات مع الحواسيب والأنظمة الإلكترونية والبرمجيات المتصلة بالإنترنت، لتوفر مستويات أعلى من الأداء والكفاءة والراحة.
ووفقا لدراسة “جيه دي باور” حول الاعتمادية، وصلت مشاكل المركبات بعد ثلاث سنوات من الملكية إلى أعلى مستوى لها منذ عام 2009، بمتوسط صناعي بلغ 202 مشكلة لكل 100 مركبة، بزيادة 6% عن العام السابق.
ويعود هذا الارتفاع بشكل كبير إلى العيوب البرمجية، خاصة في فئة العلامات التجارية للكتلة الجماهيرية.
مع تحول السيارات الحديثة إلى “حواسيب على عجلات”، أصبحت الأعطال الإلكترونية والبرمجية تتصدر قائمة الشكاوى وتؤرق المالكين.
وتأتي في مقدمة هذه العقبات مشاكل الاتصال بالهواتف الذكية، حيث يتصدر نظاما (آبل كار بلي، وأندرويد أوتو)، القائمة للعام الثاني على التوالي بعد ارتفاع الشكاوى من 6.3 إلى 8.4 مشكلة لكل 100 مركبة بين عامي 2024 و2025.
وينسحب هذا التعثر على تقنيات الاتصال الأخرى، إذ سجلت مشاكل البلوتوث والواي فاي وبشكل عام، وترتبط نصف أكثر 10 أعطال شيوعا في القطاع بتكامل الهواتف الذكية وتتعلق بنقاط مثل فشل الاقتران والانقطاع المفاجئ للاتصال وتعطل الشحن اللاسلكي.
وتتكامل هذه التعقيدات مع أنظمة المعلومات والترفيه التي باتت الفئة الأكثر إشكالية في السيارات الجديدة، بواقع 42.6 شكوى لكل 100 مركبة وفقا لدراسة الجودة الأولية للعام 2025.
وتتفاقم الأزمة مع إصرار الشركات المصنعة على إلغاء الأزرار التقليدية ودمج أغلب الوظائف داخل شاشات اللمس، بدءاً من التحكم في المناخ وصولاً إلى فتحة الجراج وصندوق القفازات، مما أدى إلى ارتفاع أعطال الشاشات واللوحات الرقمية.
من جانب آخر لم تنجُ التحديثات البرمجية عبر الهواء من تحفظات المالكين، فرغم أن 36% منهم ثبّتوا هذه التحديثات في أول ثلاث سنوات من الملكية، إلا أن 56% لم يلاحظوا أي تحسن ملموس في أداء سياراتهم، بينما رأى 30% فقط فائدة حقيقية منها، ورأى 40% أنها لم تحدث فرقا يذكر.
وتكتمل هذه الحلقة بإخفاقات متكررة في أنظمة مساعدة السائق، والتي تتجلى في أعطال تحذير مغادرة المسار، ونظام الحفاظ على المسار، وتقنيات التحذير من التصادم الأمامي، وفرامل الطوارئ التلقائية.
ورغم الطفرة التكنولوجية الهائلة التي يشهدها عالم السيارات، لم تختف الأعطال الميكانيكية التقليدية، بل لا تزال تفرض حضورها بقوة وتستحوذ على جزء كبير من المشاكل الميدانية.
وتتصدر أعطال البطارية قائمة مسببات التوقف المفاجئ، فوفقا لإحصاءات نادي السيارات الألماني لعام 2025، كانت البطارية التالفة السبب الرئيسي لحالات الطوارئ بنسبة 45.4%، وهو ما أكدته أيضا بيانات نادي السيارات في لوكسمبورغ لعام 2024 بعد تسجيلها 8123 حالة بزيادة قدرها 8%.
ولا تقتصر هذه الأزمة على السيارات التقليدية فحسب، بل تمتد للكهربائية أيضاً، إذ تعتمد كلتاهما على بطاريات 12 فولت لتشغيل الأنظمة الفرعية، بل إن هذه البطاريات تسببت في 50.5% من أعطال السيارات الكهربائية مقارنة بـ44.6% لسيارات الاحتراق الداخلي، وتزداد المعاناة في الأجواء الباردة التي قد تفقد البطارية ما يصل إلى نصف شحنتها.
وتأتي مشاكل المحرك ونظام إدارته في المرتبة الثانية بواقع 21.8% من حالات الطوارئ لدى (ADAC)، متضمنة أعطال الإشعال والمستشعرات ونظام الحقن، الذي عانت منه العديد من طرازات عام 2024 بشكل خاص.
كما تشير التقارير الفنية إلى شيوع أعطال المكونات الفردية مثل مضخات المياه، والمولدات بنسبة 2.74%، ومستشعرات أكاسيد النيتروجين بنسبة 2.24%.
وبالتوازي مع ذلك، تبرز أعطال الشاحن التوربيني (التوربو) كأحد التحديات الميكانيكية البارزة بتشكيلها 19% من الأعطال في بعض الفئات، وتحديدا في محركات نيسان قاشقاي (1.6 و1.5 لتر ديزل، و1.2 لتر بنزين).
وعلى صعيد منظومة الحركة والهيكل، مثلت مشاكل ناقل الحركة والقابض (الدبرياج) نحو 12% من حالات الطوارئ لعام 2024، وتركزت أبرز الشكاوى في أعطال القابض المزدوج، واهتزاز علبة التروس، وتسرب زيت المبرد.
كما استحوذت مشاكل نظام التعليق والمحاور على 42.2% من مجمل الأعطال في بعض الدراسات المتخصصة، مما يؤكد أن الجزء الميكانيكي لا يزال يخوض معركته الخاصة إلى جانب البرمجيات.
وأظهرت دراسة أن السيارات الكهربائية أقل عرضة للأعطال من سيارات الاحتراق الداخلي، إذ سجلت 3.8 أعطال لكل 1000 مركبة مقابل 9.4 في سيارات الاحتراق، ومع ذلك تعاني السيارات الهجينة القابلة للشحن من أعلى معدل مشاكل بين جميع أنواع الوقود، تليها سيارات الديزل ثم الكهربائية.
وتشير الدراسات إلى جملة من العوامل المتداخلة التي تفسر هذا الارتفاع الملحوظ في معدل الأعطال في السنوات الأخيرة، حيث يأتي في مقدمتها تداعيات جائحة كورونا، إذ أُنتجت السيارات التي يبلغ عمرها اليوم ثلاث سنوات تقريبا وسط موجة حادة من اضطرابات سلاسل التوريد، ونقص الكوادر البشرية، إلى جانب الارتفاع المهول في أسعار المركبات.
وتتزامن هذه الظروف مع ارتفاع متوسط عمر الأسطول بشكل عام، كما يتجلى في السوق الفرنسية التي ارتفع فيها متوسط عمر السيارات من 9 سنوات عام 2011 إلى 11.2 سنة بحلول عام 2024.
تظهر السيارات الحديثة ازدواجية واضحة، فهي من جهة أكثر تقدما وكفاءة من أي وقت مضى، لكنها من جهة أخرى باتت عرضة لأنواع جديدة ومستحدثة من الأعطال، وعلى رأسها البرمجيات والأجهزة الإلكترونية.
فبينما ما تزال المشاكل الميكانيكية التقليدية تحتفظ بحضورها القوي، فإن تحديات العصر الرقمي المتنوعة، بدءا من تعثر اتصال الهواتف الذكية وأعطال الشاشات اللمسية وصولا إلى التحديثات البرمجية غير الفعالة، أصبحت تتصدر قائمة شكاوى المالكين اليوم.
