شفق نيوز- النجف

لم تعد شبكات تهريب المخدرات إلى العراق تعتمد على الطرق التقليدية وحدها، فمع تشديد الرقابة على الحدود واستخدام الكاميرات الحرارية والطائرات المسيّرة ووسائل الرصد الحديثة، لجأ المهربون إلى أساليب جديدة لتجاوز الإجراءات الأمنية، كان أبرزها استخدام المناطيد المحملة بالمخدرات.

وفي تطور لافت خلال عام 2026، سجلت الجهات المختصة حالات لتهريب المخدرات عبر مناطيد مكوّنة من عدد كبير من البالونات، بعضها يحمل كميات كبيرة من الحبوب المخدرة، في محاولة لإيصالها إلى مناطق صحراوية بعيدة عن مسارات التهريب التقليدية.

وفي المقابل، برز سكان البادية والبدو الرحل بوصفهم عيناً إضافية تراقب التحركات المشبوهة في المناطق الصحراوية، وتقدم المعلومات إلى القوات الأمنية، بل إن بعضهم تدخل بصورة مباشرة لمنع وصول شحنات مخدرة إلى وجهتها.

فجر البادية.. منطاد يحمل 126 ألف حبة

اعتاد عماد الخفاجي، من أهالي النجف، مرافقة أصدقائه من البدو الرحل في رحلات الصيد وسط البادية. وفي إحدى المرات، كان ضيفاً في منزل أحدهم، واتفق معهم على الخروج فجراً إلى البادية وصيد الطيور البرية.

يقول الخفاجي، البالغ من العمر 41 عاماً، إن المجموعة خرجت فجراً وتوقفت بمركبتها في إحدى المناطق المرتفعة للاستمتاع بمشهد بزوغ الفجر، قبل أن يبدأوا بإعداد وجبة الإفطار.

ويضيف لوكالة شفق نيوز: “وأنا أنظر إلى بزوغ الفجر من جهة، وأشاهد من جهة أخرى بقايا بعض النجوم، شاهدت على بعد نحو 300 متر شيئاً يحلق في السماء. سألت أصدقائي عن ماهيته، فأخبروني بأنه منطاد يستخدم لتهريب المخدرات، وأن عمليات تبادل البالونات المحملة بالمخدرات تحدث عادة خلال ساعات الفجر”.

وتابع: “دعوت صديقي لجلب السلاح، وقام بالتصويب باتجاه المنطاد، وتمكنا من إصابة عدد من البالونات التي كانت ترفعه، ما أدى إلى سقوطه عند نحو الساعة السادسة صباحاً، ثم طاردناه بإحدى مركبات الدفع الرباعي”.

ويشير الخفاجي إلى أن الشحنة التي عثروا عليها كانت تضم نحو 126 ألف حبة مخدرة، موزعة على 126 كيساً، يحتوي كل كيس على ألف حبة من مادة “الكبتاغون”، مبيناً أنهم قاموا بتسليم الشحنة إلى الأجهزة الأمنية المختصة.

ويقدر الخفاجي قيمة الشحنة بنحو 3 مليارات و400 مليون دينار عراقي، موضحاً أن أفراد المجموعة تمكنوا من الحفاظ عليها وتسليمها إلى الجهات الحكومية رغم وجود مركبات تابعة لأشخاص قال إنهم من تجار المخدرات بالقرب من الموقع.

مطاردة في الصحراء

ويكشف الخفاجي، أن المجاميع التي كانت تنتظر المنطاد كانت قريبة من موقع سقوطه، مبينا أن المسافة كانت أقل من خمسة كيلومترات، وفي المناطق الصحراوية المفتوحة يمكن أن تكون المسافة أقل من ذلك، حتى وصلت في إحدى المراحل إلى نحو كيلومتر ونصف.

ويضيف: “إصرارنا، أنا وإخوتي من البدو الرحل وأصحاب المواشي، حال دون تمكنهم من إرغامنا على تسليم المخدرات لهم، وبالتالي قمنا بتسليمها إلى الأجهزة الأمنية”.

وعن حمل السلاح، يوضح الخفاجي أن إطلاق النار على المنطاد تم باستخدام سلاح مرخص، مبيناً أن البدو الرحل يحملون أسلحة مرخصة لحماية مواشيهم وأنفسهم من السرقة والحيوانات المفترسة.

حرس الحدود.. المناطيد محاولة جديدة للتهريب

من جانبه، قال قائد الفرقة الخامسة لحرس الحدود اللواء رحيم يونس رحيم، لوكالة شفق نيوز، إن “بعض العصابات الإرهابية حاولت في وقت سابق تهريب المخدرات من الأراضي السورية إلى العراق باستخدام البالونات، إلا أن تلك المحاولات أُحبطت بالكامل بفضل المتابعة الميدانية واستخدام الكاميرات الحرارية المنتشرة على طول الشريط الحدودي”.

ويضاف أن “تشديد الإجراءات الأمنية وتكثيف عمليات الرصد والمراقبة على الحدود أسهما في الحد من محاولات التهريب، ودفع الجماعات المهربة إلى البحث عن وسائل وأساليب جديدة لإيصال المخدرات إلى داخل العراق”.

التضييق يدفع المهربين إلى السماء

من جانبه، قال مدير إعلام المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية العميد عباس البهادلي، لوكالة شفق نيوز، إن الأجهزة المختصة سجلت خلال عام 2026 “العديد من حالات التهريب بواسطة المناطيد”، مؤكداً أن هذه الوسيلة تمثل “حالة جديدة في التهريب”.

وأوضح أن “المهربين لجأوا إلى المناطيد بسبب التضييق الكبير على طرق التهريب التقليدية”، لكنه أكد في الوقت ذاته أن هذا الأسلوب “مكشوف” لدى الأجهزة الأمنية، التي تعمل على رصد المناطيد والتعامل معها.

أكثر من طنين مضبوطة وتفكيك 350 شبكة

وبحسب البيانات التي أعلنها البهادلي، بلغت كميات المخدرات والمؤثرات العقلية المضبوطة منذ بداية عام 2026 نحو 2 طن و180 كيلوغراماً.

ويتصدر “الكريستال” و”الكبتاجون” وحبوب “اللاريكا” قائمة المواد التي يتم ضبطها، وفقاً للمديرية.

ولا تقتصر المواجهة على ضبط المواد المخدرة، بل تمتد إلى تفكيك الشبكات التي تقف وراء عمليات التهريب والترويج، إذ أعلنت المديرية تفكيك أكثر من 350 شبكة تهريب خلال العام الحالي.

وفي الجانب القضائي، أوضح البهادلي أن عدد المحكومين بالإعدام بلغ 59 متهماً، فيما بلغ عدد المحكومين بالسجن المؤبد 254 متهماً.

حرس الحدود.. الخط الأول

ويمثل التعاون بين المديرية العامة لشؤون المخدرات وقيادة قوات حرس الحدود أحد المحاور الأساسية في مواجهة عمليات التهريب، ولا سيما في المناطق الصحراوية والحدودية الواسعة.

ووصف البهادلي مستوى التعاون بين الجانبين بأنه “كبير جداً”، مؤكداً أنه “الأفضل على مستوى المعلومات الاستخبارية والعمل الميداني”.

البدو الرحل.. عين إضافية للأجهزة الأمنية

ولا تقتصر مواجهة عمليات التهريب على الأجهزة الأمنية، إذ يشكل سكان المناطق الحدودية والبدو الرحل مصدراً مهماً للمعلومات بحكم وجودهم المستمر في مناطق واسعة ونائية.

ويقول البهادلي إن “المواطن شريك حقيقي في صناعة الأمن”، مضيفاً أن “الأمن يبدأ من المواطن وينتهي برجل الشرطة”.

من الحدود إلى المجتمع.. لماذا يتعاطى الشباب؟

لكن المعركة لا تتوقف عند منع وصول المخدرات إلى العراق، إذ إن مواجهة الطلب عليها تمثل جانباً آخر من القضية.

وتقول الباحثة في شؤون المخدرات الدكتورة دعاء البصري، إن أسباب الانجراف نحو التعاطي تختلف بين الشباب والنساء، مشيرة إلى أن بعض الحالات تبدأ من تقليد الأصدقاء والتأثر بالمحيط، حتى من دون وجود معاناة نفسية أو اقتصادية واضحة.

وتروي البصري إحدى الحالات التي اطلعت عليها خلال زياراتها للسجون، لشاب رسم وشماً على ساعده باسم الشخص الذي كان يعطيه المخدرات ويساعده في عمليات السرقة، والذي كان سبباً في دخوله السجن.

وتقول، لوكالة شفق نيوز، إن الشاب كان لا يزال يحب ذلك الشخص، لأنه كان يعتقد أن الحب والاهتمام اللذين حصل عليهما منه لم يجدهما في أسرته، معتبرة أن هذه الحالة تكشف عن نقص في التربية والتوعية والاحتواء، قبل أن ينقاد الشاب إلى أصدقائه وينتهي به الأمر إلى الاتجار بالمخدرات.

المخدرات لا تعرف الشهادة الجامعية

وتؤكد البصري أن المخدرات لا ترتبط بمستوى تعليمي أو اجتماعي محدد، مشيرة إلى وجود متعاطين من مستويات علمية مختلفة، بينهم أطباء جامعيون وصيادلة وقراء، قد يلجأون إلى التعاطي بسبب معاناة نفسية.

وتشير إلى أن بعض هؤلاء يخجلون من مراجعة الأطباء النفسيين أو طلب المساعدة، فيلجأون إلى المخدرات، ما قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة وتحول التعاطي إلى إدمان.

متعاطون بعمر 13 عاماً

وتعرب البصري عن قلقها من وصول التعاطي إلى أعمار مبكرة، قائلة إنها صادفت خلال زياراتها للسجون شباباً بعمر 13 عاماً يتعاطون المخدرات.

وترى أن الوصول إلى هذه الأعمار يتطلب تدخلاً مبكراً من الأسرة والمدرسة والمجتمع، لأن التعامل مع المشكلة بعد تحولها إلى إدمان يصبح أكثر تعقيداً.

وتعمل المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية على توسيع نطاق حملاتها التوعوية من خلال الفيديوهات واللقاءات التلفزيونية والمطبوعات والندوات المدرسية والجامعية والمناطقية وورش العمل التخصصية.

كما تسعى إلى تفعيل دور المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي والانفتاح على منظمات المجتمع المدني، فضلاً عن استخدام المتاحف المتنقلة للتحذير من مخاطر المخدرات خلال المناسبات.

معركة تتغير أدواتها

وتكشف قصة المنطاد الذي حمل 126 ألف حبة مخدرة، إلى جانب الأرقام التي أعلنتها مديرية مكافحة المخدرات، عن تحول في أساليب شبكات التهريب، التي تبحث عن طرق جديدة لتجاوز الإجراءات الأمنية.

فالمواجهة مع المخدرات لا تدور عند الحدود فقط، بل تمتد إلى الأسرة والمدرسة والجامعة ومواقع التواصل الاجتماعي، فيما يبقى الجمع بين العمل الأمني والاستخباري والتوعية المجتمعية أحد محاور مواجهة التعاطي والتهريب والترويج.