في عالمنا المضطرب سياسيا وأمنيا اليوم ، لم تعد ” ألمانيا ” تواجه تهديدا أمنيا تقليديا يمكن احتواؤه عبر زيادة أعداد رجال الشرطة أو تشديد الرقابة في المطارات ومحطات القطارات بل أصبحت تقف أمام مشهد ” جيوسياسي ” بالغ التعقيد ، تتداخل فيه الحروب الدولية مع صراعات الاستخبارات وتتشابك فيه المصالح العالمية مع النسيج الاجتماعي لدولة تعد من أكثر بلدان أوروبا تنوعا سكانيا وثقافيا ، فلقد علمت التجربة الألمان أن النار تبدأ بشرارة صغيرة ، حيث منذ هجمات ” مولن وزولينغن ” في مطلع تسعينيات القرن الماضي حين استهدف التطرف اليميني عائلات تركية بريئة ، أدركت برلين أن الكراهية يمكن أن تتحول إلى إرهاب ، وأن الإرهاب لا يحمل هوية واحدة بل يتغير بتغير الزمن والظروف
واليوم وبعد أكثر من ثلاثة عقود ، تعود المخاوف الأمنية بصورة أكثر تعقيدا ،. فالتقارير الاستخباراتية الأخيرة لدى برلين لا تتحدث فقط عن خطر التنظيمات الإرهابية أو اليمين المتطرف ، وإنما تشير كذلك إلى تصاعد أنشطة التجسس والتأثير الخارجي المنسوبة إلى دول مثل ” روسيا وإيران والصين ” وتتهم الأجهزة الأمنية هذه الدول بمحاولات توسيع نفوذها عبر عمليات استخباراتية وهجمات إلكترونية وشبكات تأثير تستهدف مؤسسات الدولة والاقتصاد والبنية التحتية ، ومع ذلك ينبغي التمييز بين هذه الاتهامات الرسمية وبين الوقائع القضائية المثبتة ، إذ تختلف طبيعة الأدلة من قضية إلى أخرى
حيث لسنوات طويلة بدت ألمانيا وكأنها تراقب هذه التحركات بهدوء ، معتمدة سياسة تقوم على ” الاحتواء والتقدير ” بأن مستوى الخطر لا يستدعي إجراءات استثنائية واسعة ، غير أن التحولات التي فرضتها الحرب في ” أوكرانيا ” والتوترات في الشرق الأوسط وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى ، دفعت برلين إلى إعادة تقييم المشهد الأمني برمته ، والانتقال من مرحلة المراقبة الهادئة إلى مرحلة التأهب المرتفع ، ولأن ألمانيا تحتضن جاليات كبيرة من مختلف أنحاء العالم فأن هذا القلق يزداد يوما بعد يوم ، لاسيما وأنها تمثل مصدرا للثراء الثقافي والاقتصادي ، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديات أمنية إضافية عندما تمتد الصراعات الخارجية إلى الداخل الأوروبي عبر حملات التحريض ، أو التجسس ، أو الاستقطاب السياسي ، أو محاولات التأثير على الجاليات ، ولا يقتصر أثر هذا الواقع على المؤسسات الأمنية وحدها بل يمتد إلى الاقتصاد والمجتمع ، فكلما ارتفع مستوى التهديد ارتفعت كلفة الأمن ، وتأثرت ثقة المستثمرين وازدادت الضغوط على الموازنة العامة ، كما وتنعكس حالة القلق تلك على تفاصيل الحياة اليومية للمواطن ، الذي يجد نفسه أمام أسئلة تتعلق بالأمان والاستقرار ومستقبل الاقتصاد المرتبطة بمسار مستقبله
إن هذا القلق الأمني المتزايد يجعلنا ندرك جيدا بان الأمن في ألمانيا لم يعد مجرد ملف أمني بل أصبح قضية تمس السياسة الخارجية والاقتصاد والهجرة والاندماج ، وحتى الهوية الأوروبية ذاتها ، ففي عالم تتراجع فيه المسافات بين الحروب الميدانية والحروب السيبرانية وحروب المعلومات ، لم تعد الحدود الجغرافية وحدها كافية لحماية الدول ، ولذلك تبدو ألمانيا اليوم أمام معادلة دقيقة وهي : كيف تحافظ على انفتاحها الديمقراطي وتنوعها الثقافي وقيمها الدستورية ، دون أن تسمح بأن تتحول هذه المساحات المفتوحة إلى منافذ تستغلها التنظيمات المتطرفة أو شبكات التجسس أو حملات النفوذ الأجنبية
إنها معركة لا تخاض بالسلاح وحده بل بالوعي وبكفاءة المؤسسات ، وبقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين حماية الأمن وصون الحريات ، ففي زمن تتشابك فيه المصالح الدولية قد لا تكون أخطر الحروب تلك التي تسمع فيها أصوات المدافع بل تلك التي تدار في ” الظل ” حيث تتحرك الاستخبارات بصمت ، وترسم ملامح المستقبل بعيدا عن ضجيج الجبهات .
