في توقيت يشهد فيه العراق تحديات داخلية متشابكة، برز الحراك الإقليمي الذي يقوده علي الزيدي بوصفه أحد أبرز المؤشرات على سعي بغداد إلى إعادة تموضعها سياسيًا ودبلوماسيًا، عبر تعزيز علاقاتها مع الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة. ولا تبدو هذه التحركات مجرد نشاط دبلوماسي اعتيادي، بل تأتي في سياق إقليمي شديد الحساسية، تتقاطع فيه ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد مع مستقبل الاستقرار السياسي في العراق.
إن تنقل الزيدي بين عواصم مؤثرة في صناعة القرار الإقليمي والدولي يعكس إدراكًا بأن استقرار العراق لم يعد شأنًا داخليًا فحسب، بل أصبح مرتبطًا بشبكة معقدة من المصالح والتفاهمات الإقليمية. فالعراق يسعى إلى ترسيخ موقعه كطرف قادر على بناء التوازنات، بعيدًا عن سياسة المحاور، بما يتيح له مساحة أوسع لمعالجة أزماته الداخلية.
وفي الداخل، تكتسب هذه التحركات أهمية إضافية مع استمرار الملفات السياسية العالقة، وفي مقدمتها استكمال الكابينة الوزارية، التي ما زالت تمثل أحد أبرز التحديات أمام المشهد السياسي. فكلما اتسعت مساحة التفاهمات الخارجية، ازدادت فرص تخفيف حدة الانقسامات الداخلية، خصوصًا إذا اقترنت تلك التفاهمات بإرادة سياسية حقيقية لإنهاء الخلافات بين القوى العراقية.
ورغم أن استكمال الكابينة الوزارية يبقى قرارًا عراقيًا خالصًا، فإن المناخ الإقليمي يلعب دورًا في تهيئة الظروف المناسبة لإنضاج التسويات السياسية، لاسيما في ظل تقاطع مصالح العديد من القوى الإقليمية مع استقرار العراق. ومن هنا، فإن نجاح الحراك الخارجي قد يسهم في تقليص مساحات التوتر، وفتح المجال أمام تفاهمات جديدة بشأن الملفات المؤجلة.
لكن في المقابل، لا يمكن التعويل على الحراك الدبلوماسي وحده. فالأزمات التي تواجه العملية السياسية تتعلق أيضًا بتباين مواقف القوى السياسية، وتعقيدات نظام التوافق، وتداخل الحسابات الحزبية مع المصالح الوطنية. لذلك، فإن أي نتائج إيجابية للجهد الخارجي ستظل مرهونة بقدرة الأطراف العراقية على استثمارها وتحويلها إلى خطوات عملية داخل مؤسسات الدولة.
وفي المحصلة، تبدو جولة علي الزيدي أكثر من مجرد سلسلة لقاءات دبلوماسية؛ فهي اختبار لقدرة العراق على توظيف انفتاحه الإقليمي في خدمة أولوياته الداخلية. وإذا نجحت هذه التحركات في خلق مناخ سياسي أكثر هدوءًا، فقد تمثل بداية مرحلة جديدة تتقدم فيها لغة التوافق على حساب الانسداد، بما ينعكس على استكمال مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار السياسي.
