كنتُ قد ذكرتُ في مقال سابق لي عن زيارة الزيدي لأنقرة أن المحادثات فيها ستتمَركزُ على ملفّ الطاقة ومعالجة الخلاف حول تصدير النفط، وملف الأمن المتعلق بحزبِ العمال الكردستاني وترتيبات إنهاء وجوده في العراق، وملف المياه والاستمرار في ممارسة اللجان أعمالها، وملف الاقتصاد ورفع حجم التبادل التجاري والاتفاق على تنفيذ مشروع طريق التنمية، وملف التنسيق السياسي مع تركيا وسوريا، وتمخّضتِ الزيارةُ عن مناقشة هذه الملفات، بشكل عامّ، وتمَّ التوقيعُ على اتفاقاتٍ رمزية، وتطوّرٍ في ملف الطاقة، مع تلكّؤٍ في اتفاقية مشروع التنمية.

الملفتُ في هذه الزيارة هو اللقاءُ الذي جَرى بين رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ومبعوث الرئيس الأمريكي توم باراك، الذي انصبَّ على مناقشة طبيعة العلاقات العراقية الأمريكية، وتعزيز سلطة الزيدي في العراق، وإنشاء علاقات بنمطٍ جديد بين العراق وتركيا، برعاية أمريكا، والتهيئة للتنسيق الثلاثي (العراقي-التركي-الأمريكي) حول المسألة الكردية في المنطقة، وجاء هذا اللقاء بعد أن التقى توم باراك بوزير الخارجية التركي هاقان فيدان، ثم التقى وزير خارجية العراق فؤاد حسين بوزير الخارجية التركي.

ويبدو أن هذا اللقاء المُلفتَ للنظر، وما تعلّق به من لقاءات وزراء الخارجية، قد أحدثَ تطوّرًا في ملف الطاقة، فقد أعلنَ الرئيسُ أردوغان في لقائه مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن الزيدي قد عرضَ عليه تزويد تركيا بمليون برميل من النفط يوميا، إذ لم يكن هذا العرض ضمن فقرات المباحثات، ولو أضفنا إلى ذلك، التوقيع على اتفاقية شراكةٍ بين شركة البترول التركية وشركة النفط البريطانية ((BP، والتي استحوذت بموجبها شركة البترول التركية على 15% من حصة الأنشطة النفطية في حقول كركوك، لوجدنا، بوضوح، أن هناك توجُّهًا أمريكي – بريطاني لتأسيس شراكة بين تركيا والعراق في مجال الطاقة، خِلافًا لتوجُّهاتهما السابقة منذ معاهدة سايكس بيكو.

ويأتي هذا التطورُ في ظلِّ النظام الجديد المُزمَعِ تشكيله في الشرق الأوسط، والذي يخطّط لتأسيس أنظمة مركزية في العراق وسوريا وتركيا، ودعمها كنواة لشرق أوسطي جديد.

تمَّ التطرّقُ، في مباحثات أنقرة، إلى المسألة الأمنية، وإجراءات نزع سلاح حزب العمال الكردستاني، وإخلاء القواعد العسكرية التركية في العراق، وسيتمُّ تشكيلُ لجانٍ خاصة بهذا الشأن، وترتيب التعامل مع العناصر المسلحة الكردية المعارضة، بالتزامن مع القرارات التي ستصدر عن البرلمان التركي.

وكان للجانب الاقتصادي نصيبٌ في هذه المباحثات، وتركّزت على حجم التبادل التجاري، إذ يسعى الطرفان إلى رفع حجم التجارة بينهما، إلا أن مقومات هذه الزيادة في النشاط التجاري غير متوفرة، لأسبابٍ تتعلّق بالوضع الاقتصادي التركي، وبحجم استيعاب السوق العراقية، وعدم قدرة العراق على التصدير في ظلّ الأوضاع الاقتصادية العراقية الراهنة.  

وبرزَ مشروعُ طريق التنمية كأحد أهمّ أهداف هذه الزيارة، والذي اقترنَ اسمه بفضيحة عدم التوقيع على اتفاقيته من قبل وزير النقل العراقي، وهو المشروع الذي تُعوِّلُ عليه تركيا كبديلٍ لتهميشها في كافة الطرق التجارية، البرية والبحرية، الاستراتيجية. 

والحقيقة، أن هذا المشروع وهمٌ وغيرُ مُجدٍ، ولا علاقة لإنشائه برفع حجم التبادل التجاري، وتجارة الترانسيت، فالاشكالُ في المشروع هو كيفيةُ توجيه السلع والبضائع من الصين أو الهند أو دول الخليج لسلوك هذا الطريق إلى أوربا، فهو ليس بالطريق المُجدي والمُحبَّذ لدى التجّار، وإذا لم تكن هناك قدرة على رفع حجم التجارة، فما هي جدوى إنشاء مشروع بمليارات الدولارات؟. ناهيك عن أن الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية الحالية من البصرة إلى تركيا، سالكة، وجيدة، وتتحمّل حركةً سِلعيةً أكبر من حجمها الحالي، ولو تمَّ تطويرُها ومعالجة نقاط الضعف فيها، فإنها ستستوعب أضعاف الحركة التي عليها الآن، وبالتالي، فلا حاجة لهذا المشروع أصلا، علما بأن موازنة العراق غير قادرة على تنفيذ هذا المشروع، ولا يمكن تنفيذه عن طريق الاستثمار لأنه غير مُجدٍ البتَّة. 

يمكنُ أنْ نعتبرَ هذه الزيارة إلى أنقرة، والتي جرت قبلها إلى واشنطن، بدايةَ انطلاقٍ لنظامِ الحكمِ الحالي الذي يقوده علي الزيدي، وسنشهدُ تطوّراتٍ جذريةً في العلاقات مع تركيا وسوريا وأمريكا، وسيخرج العراق، رويدا رويدا، من عباءة النظام الإيراني، وسينصبُّ الجهدُ على الجانب الاقتصادي، في الصعيدين المحلي والإقليمي، وستكون الخمسُ سنوات القادمة فترةَ مخاضٍ تتخلّلُها صراعاتٌ وقلاقلُ واضطراباتٌ، وستكون بدايةً لمرحلةٍ جديدةٍ، وشرقِ أوسطٍ جديدٍ، مُختلفٍ جذريًّا عمّا هو عليه الآن.