في عالمنا اليوم لم تعد الحروب الحديثة تبدأ بإطلاق الرصاصة بل تبدأ بجمع ” المعلومة ” ، فالرصاصة قد تقتل جنديا أما المعلومة فتغير مصير دولة ، ولهذا لم تعد أجهزة ” الاستخبارات ” مجرد مؤسسات أمنية تعمل خلف الأبواب المغلقة بل أصبحت العقول التي تسبق الجيوش بخطوات ، والعيون التي ترى ما لا تراه السياسة ، والآذان التي تلتقط همسات التاريخ قبل أن تتحول إلى انفجارات على خرائط العالم
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يثار اليوم سؤال : من يملك أقوى جهاز استخبارات في أوروبا ؟ فالسؤال في جوهره لا يبحث عن مؤسسة أمنية تتصدر التصنيف بقدر ما يبحث عن تعريف جديد للقوة في القرن الحادي والعشرين ، ليؤكد أن العالم دخل مرحلة أصبحت فيها المعلومة أكثر حسما من المدفع وأن الدول التي تنجح في قراءة المستقبل قبل وقوعه هي التي تمتلك زمام الحاضر ، حتى وإن بقيت إنجازاتها حبيسة الظلال لا تتصدر الشاشات ولا تعلنها البيانات الرسمية ، لذلك فأن مراجعة قدرات أجهزة الاستخبارات الأوروبية اليوم ليست مجرد تقرير تقني عن كفاءة المؤسسات الأمنية بل هي قراءة في ميزان القوة الحقيقي داخل القارة التي لطالما اعتقدت أن عصر الحروب الكبرى قد انتهى ، غير أن الحرب ” الروسية الأوكرانية ” وتصاعد التجسس الإلكتروني واتساع نفوذ ” الصين ” وعودة التنافس الدولي ، أعادت تعريف الأمن الأوروبي من جديد ، حيث لم يعد الأمن حدودا وجيوشا في بقاع الأرض بل بيانات ، وخوارزميات ، وأقمارا صناعية ، وعملاء يعملون في صمت لا يعرفه الرأي العام
فلقد كانت بريطانيا لعقود طويلة تحتفظ بسمعة الجهاز الاستخباراتي الأكثر احترافا بفضل إرث جهاز ” MI6 ” وتحالف ” العيون الخمس “، بينما بنت فرنسا نفوذها عبر شبكة واسعة من العلاقات والعمليات الخارجية ، في حين راهنت ألمانيا على التكنولوجيا والتحليل ، وإيطاليا على أمن المتوسط ، وإسبانيا على خبرتها في مكافحة الإرهاب ، لكن التفوق في ذلك لم يعد حكرا على التاريخ بل أصبح رهين القدرة على مواكبة عالم يتغير كل يوم ، ففي زمن الذكاء الاصطناعي لم تعد المعلومة هي التحدي بل القدرة على تمييز الحقيقة من بين ملايين البيانات المزيفة ، فالحرب اليوم قد تبدأ بمنشور مضلل أو باختراق شبكة كهرباء أو بتسريب وثيقة أو بالتأثير على انتخابات ، دون أن تتحرك دبابة واحدة ، ولعل المفارقة الكبرى في كل ذلك أن أكثر المؤسسات تأثيرا في رسم سياسات الدول هي تلك التي لا يعرف الناس عنها إلا القليل ، فهي تكتب فصولا كاملة من التاريخ دون أن يظهر اسمها في العناوين ، وتمنع حروبا قبل وقوعها أو تعجل بها إذا اقتضت مصالح الدول ذلك ، ولهذا قيل : إن الاستخبارات هي القوة التي لا ترى ، لكنها كثيرا ما تحدد مصير القوى التي ترى
إن العالم يتجه اليوم إلى مرحلة تصبح فيها السيادة مرهونة بالقدرة على امتلاك المعرفة قبل امتلاك السلاح ، لأن من يعرف أكثر يحارب أقل وينتصر أسرع ، فالمعركة الحقيقية لم تعد بين الجيوش بل بين العقول ، ولم يعد السؤال : من يملك أكبر ترسانة؟ بل : من يملك أفضل معلومة ، وفي التوقيت المناسب ، ومن هنا بينما ينشغل العالم بصور الصواريخ والدبابات تستمر حرب أخرى في الظل ، لا تسمع فيها أصوات الانفجارات لكنها ترسم مستقبل الأمم بصمت ، فالتاريخ كثيرا ما كتب بالحبر لكنه في عصرنا يكتب بالمعلومة .
