​ شهدت الساحة السياسية والإعلامية مؤخراً تصاعداً لافتاً في دعوات تُطالب بتعديل جوهري للدستور العراقي لعام 2005، عبر تحويل نظام الحكم إلى نظام شبه رئاسي يُنتخب فيه رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب بصلاحيات واسعة وإلغاء كوتا النساء أو تخفيضها وتقليص أجهزة اللامركزية ومجالس المحافظات. وتستند هذه التحركات إلى “الحملة الوطنية لتعديل الدستور” التي تستخدم روابط إلكترونية لجمع التواقيع، والتي أُعلن رسمياً عن تجاوز عدد مؤيديها حاجز الـ 70 ألف مشارك، مستغلة حالة التذمر الشعبي المتراكم والظروف المععيشية الصعبة للشباب. إن القراءة السطحية لهذه الدعوات قد تظهرها كحلول إدارية حاسمة لإنهاء الانسداد السياسي والمحاصصة الحزبية، لكن التفكيك العميق لأبعادها يظهر أنها تمثل مشروعاً خطيراً لإعادة هيكلة السلطة وقضم القواعد التي قامت عليها الدولة العراقية الحديثة.

​ الأبعاد الخفية وآلية استغلال الشارع

​تعتمد المبادرات المطالبة بالنظام الرئاسي على متلازمة الاستغلال المزدوج للأزمات:

​ استثمار تذمر جيل الشباب.. يتم التركيز بشكل مكثف على فئة الشباب (مواليد نهاية التسعينات والألفين) الذين يعانون من البطالة وضيق فرص العمل ونقص الخدمات، تُقدَّم الفكرة لهؤلاء بصورة تبسيطية: مشكلتكم تكمن في الدستور وفي النظام البرلماني المتعدد، والحل هو رئيس قوي يمسك زمام الأمور ويقضي على الفساد بقرارات حاسمة.

​التغطية بالوعود الوردية.. تُسوق هذه الدعوات أوهاماً وردية تدعي أن تقليص التمثيل التوافقي والرقابة الفيدرالية سيوفر الوظائف والخدمات فجأة بينما الأزمة الحقيقية في العراق ليست في نصوص الدستور الاتحادية بل في الفساد الإداري وسوء الإدارة وتجاهل تطبيق المواد الدستورية الحاكمة ذاتها.

​صناعة البيئة الشمولية.. يُمثّل التحول إلى انتخاب رئيس مباشر بصلاحيات واسعة في مجتمع مركب، يفتقر إلى مؤسسات قضائية ورقابية صلبة ومستقلة تماماً تمهيداً صريحاً لإنتاج  دكتاتورية منتخبة، فالرئيس المنتخب بـ الأغلبية العددية سينفرد بالقرار الأمني والاقتصادي متحرراً من قيود التوافق والشراكة الوطنية.

​العواقب السلبية والسيناريو المظلم

​إن تقويض التوازن الدستوري القائم يستتبع مخاوف ونتائج هيكلية حادة:

​إلغاء مبدأ الشراكة الوطنية.. تأسس نظام ما بعد 2003 على التوافق بين المكونات الرئيسية (الكورد، السنة، الشيعة، والمكونات الأخرى) لمنع استفراد مكون واحد بالسلطة، إن فرض النظام الرئاسي يعني اعتماد الصندوق الديموغرافي وحيداً مما يهمش القوميات والمكونات الأخرى ويحولها إلى مجرد أسرى إرادة مركزية مسيطرة.

​تقويض الفيدرالية وخنق الإقليم والمحافظات.. يهدف هذا التوجه إلى تحويل إقليم كوردستان من كيان دستوري فيدرالي ذي صلاحيات سياسية وأمنية وقانونية إلى مجرد إدارة محلية تابعة لبغداد مع إلغاء الهامش اللامركزي المحقق للمحافظات الأخرى.

​تهديد تمثيل المرأة والحقوق المدنية.. المبادرة بتخفيض كوتا النساء إلى 10% أو إلغائها تسلب النساء مكسباً دستورياً مفصلياً في بناء دولة مدنية متوازنة وتفتح الباب لتقليص المزيد من الحقوق والحريات العامة مستقبلاً.

​تكرار مآسي الحكم الفردي.. إن تركيز السلطة بيد رجل واحد مدعوم بمؤسسة مركزية يفتح الباب مجدداً لإعادة إنتاج حروب الداخل والتهميش القسري، والصراعات الأهلية، لقد كُتب دستور 2005 بدماء ضحايا الأنفال والحلبجة والمقابر الجماعية لضمان عدم تكرار حقبة الرئيس المطلق.

​ الأبعاد الأمنية والاقتصادية والمؤسسية المسكوت عنها

​هناك زوايا حارجة تتجاهلها أدبيات التعديل الدستوري المطروح، وتكشف خطورة الانزلاق نحو المركزية الرئاسية:

​السطوة على الاقتصاد والثروات (المواد 110 و114 و115).. التحول لمركزية رئاسية يستهدف فلسفة إدارة الثروات والأرض والمنافذ الحدودية والاستثمارات، سحب هذه الصلاحيات من الأقاليم والمحافظات وتحويل بغداد إلى الموزع الوحيد للثروة يعيد نغمة استخدام النفط والمال كأداة تركيع سياسي وإخضاع قومي.

​عسكرة القرار الأمني وتهديد القوات الوطني.. في الأنظمة الرئاسية في الشرق الأوسط، يتبع القائد العام للقوات المسلحة (الرئيس) كافة الأجهزة الأمنية والعسكرية مباشرة دون رقابة برلمانية حقيقية، في بلد يحوي سلاحاً متعدد الأشكال وقوى نافذة فإن منح شخص واحد القيادة المطلقة يعني احتكاكاً أمنياً مع قوات الإقليم (البشمركة) والأجهزة الأمنية المحلية وتحويل المؤسسة العسكرية إلى أداة لحماية السلطة الفردية وتصفية الخصوم.

​تغييب الغرفة التشريعية الثانية (مجلس الاتحاد).. الدستور العراقي ينص في المادة (65) على وجود مجلس الاتحاد لحماية حقوق المحافظات والأقاليم وهو مجلس تم تعطيله عمداً منذ 2005، المطالبة بتعديل الدستور لصالح رئيس قوي مع إهمال المطالبة بتشكل مجلس الاتحاد يثبت أن الهدف هو تجميع السلطات لا إكمال هيكل الدولة المؤسسي.

​استغلال البنية العشائرية والاجتماعية.. يحاول الخطاب الشعبوي حشد الشيوخ والنخب العشائرية لدعم التعديلات، ويتطلب ذلك خطاباً مضاداً يوضح أن الأنظمة الرئاسية الشمولية تعيد بالضرورة هيمنة الأجهزة الأمنية على المجتمع والعشائر وتسلبها استقلاليتها الاجتماعية والمحلية.

​ وهم الرجل القوي والقضاء على الفساد

​تُسوق الحملة فرعية مفادها أن الاستبداد التنفيذي والنظام الرئاسي هما الطريق السريع للقضاء على الفساد وهي مغالطة تفككها التجارب الدولية والدستورية، فالفساد لا يرتبط بنوع النظام السياسي (برلماني أم رئاسي) بل مدى سيادة القانون، استقلالية القضاء والشفافية الإدارية. إن إعطاء صلاحيات مطلقة لرئيس واحد في بيئة سياسية ومسلحة هشة لن يلغي الفساد بل سيركزه في حلقة ضيقة تحكم القصر والرئاسة بعيداً عن أي رقابة برلمانية أو مجتمعية، إن القضاء الحقيقي على الفساد يتأتى عبر:

​أتمتة المؤسسات والتعاملات المالية والجمارك للحد من الرشوة والتهريب.

​تفعيل التشريعات الدستورية المعطلة وقوانين كشف الذمم المالية.

​استقلال الهيئات الرقابية والقضائية بعيداً عن الغطاء السياسي والسلاح.

خريطة طريق ميدانية للحد من الخطر الدستوري..للتصدي لهذه الدعوات وتوعية الرأي العام في العراق عموماً وإقليم كوردستان خصوصاً تبرز الحاجة إلى حركة توعوية ومؤسسية مكثفة عبر الآليات التالية:

وسائل الإعلام والخطاب الرقمي الموجه

إطلاق حملات إعلامية وبرامج حوارية مشتركة باللغتين العربية والكوردية لتفكيك الخطاب الشعبوي،إبراز الفرق بين تعديل الدستور لصالح الفرد وتطبيق الدستور لصالح الشعب، والتأكيد على أن تطبيق المواد المعطلة (مثل تشكيل مجلس الاتحاد وتطبيق المادة 140 وتوزيع الثروات بشكل عادل) هو الحل الحقيقي للأزمات التنموية مع إنتاج مواد رقمية قصيرة ومبسطة للجيل الشاب تفند أوهام الرئيس القوي.

الشراكة الحية مع منظمات المجتمع المدني والشباب

يقع على عاتق المنظمات الشبابية والديمقراطية عبء قيادة التوعية الميدانية والمجتمعية، لإفهام جيل الشباب أن مستقبلهم يكمن في دولة المؤسسات وسيادة القانون، لا في حكم الفرد:

في إقليم كوردستان.. دور محوري لمنظمات مثل مؤسسة روانگە (Rwanga Foundation) ومؤسسة كوردستان (Kurdistan Foundation)إضافة إلى المؤسسات الأكاديمية والاتحادات الطلابية عبر تنظيم ورش عمل وندوات تفاعلية ولقاءات مفتوحة تشرح القيمة السياسية والدستورية للفيدرالية وحمايتها.

في الوسط والجنوب.. التنسيق مع المنظمات المدنية والشبابية الناشطة في بغداد، البصرة والنجف (مثل منظمة المدى، الجمعية العراقيّة لدعم الثقافة، شبكة شمس ومؤسسات التنمية الشبابية) لعقد ملتقيات وطنية تحت شعار: حماية الدستور هو حماية لاستقرار الجميع.

تفعيل السلاح القانوني والدستوري والتحرك الحقوقي

إعداد مذكرات اعتراض دستوري ورفعها من قبل النخب القانونية ومنظمات المجتمع المدني لبيان مخالفة هذه التوجهات لروح الدستور. التذكير الدائم بالحصانات القانونية الممنوحة للأقاليم والمحافظات، إذ تنص المادة (126 / رابعاً) من الدستور العراقي على أن أي تعديل يمس صلاحيات الأقاليم لا يمر إلا بموافقة برلمان الإقليم واستفتاء عام لسكانه، إضافة إلى حق المحافظات في استخدام الفيتو الدستوري المُبين في المادة (142).

إطلاق “العريضة الرقمية الوطنية” لرفض الدكتاتورية الدستورية

إنشاء منصة أو رابط إلكتروني مشترك يتيح لكل العراقيين في أربيل، بغداد، السليمانية، البصرة وباقي المحافظات، تسجيل موقفهم الرافض لتعديل الدستور نحو النظام الرئاسي الفردي.

توحيد الوسوم (Hashtags) على منصات التواصل الاجتماعي وتفعيل حملة رقمية واسعة تحت عناوين جامعة مثل: (#الدستور_ضمانة_الاستقرار / #لا_لإعادة_إنتاج_الدكتاتورية / #الشراكة_لا_الهيمنة)، لتكون صوتاً مدنياً جامعاً لكل القوى والشباب العراقي والكوردي والعربي والتركماني والمكونات كافة.

إن حماية النظام الفيدرالي والدستوري ليست دفاعاً عن مكتسبات حزبية، بل هي درع لأمن كل مواطن من أربيل إلى بغداد والبصرة. وإن التواطؤ الصامت مع وعود “الرئيس المطلق” يفرط بعقد الشراكة الوطنية؛ فالوعي المجتمعي والتمسك بسيادة القانون يظلان الضمانة الأخيرة لمنع الانزلاق نحو دكتاتورية ديموغرافية جديدة قبل فوات الأوان.