شفق نيوز- بغداد/ بيروت/ القاهرة/ موسكو

يتفق ستة خبراء ومحللين تحدثوا لوكالة شفق نيوز، على أن الشرق الأوسط دخل مرحلة من التصعيد المتعدد الساحات، لكنهم يحذرون من أن الخطر الأكبر لم يعد في اندلاع مواجهة واحدة بقدر ما يكمن في انتقالها بين العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج والبحر الأحمر.

ولم تعد خريطة الفصائل المسلحة في المنطقة قابلة للاختزال في جبهة واحدة، فإيران ترتبط بشبكة من الجماعات والقوى المسلحة بدرجات متفاوتة، بينما تتحرك إسرائيل والولايات المتحدة عسكرياً وسياسياً في ساحات عدة، وتحتفظ تركيا ودول الخليج وسوريا الجديدة بحسابات ومصالح خاصة بها، بحسب الخبراء.

ساحات مترابطة

وفي هذا السياق، يرى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الموصل، فراس إلياس، أن التعامل مع الفواعل المسلحة باعتبارها “كتلة واحدة” أو جبهة موحدة لم يعد دقيقاً، مشيراً إلى اختلاف أهدافها وقدراتها ودرجة ارتباطها بالدول الداعمة لها.

ويقول إلياس لوكالة شفق نيوز، إن المشهد يمكن قراءته عبر ثلاث دوائر رئيسية، إيران والجماعات المرتبطة بها أو المتقاطعة معها في العراق ولبنان واليمن، وإسرائيل التي تعتمد بدرجة متزايدة على القوة العسكرية المباشرة، والولايات المتحدة التي ما تزال القوة العسكرية الخارجية الأكثر تأثيراً في معادلات الأمن الإقليمي، إلى جانب أدوار متفاوتة لتركيا ودول الخليج وسوريا.

ويضيف أن بؤر التوتر لم تعد محصورة في جبهة واحدة، بل بات هناك ترابط بين الخليج ومضيق هرمز والعراق وسوريا ولبنان والبحر الأحمر وباب المندب، بحيث يمكن أن ينتقل أثر أي تصعيد من ساحة إلى أخرى.

ويحذر إلياس من أن وجود هذا العدد من الفاعلين المسلحين والقوات النظامية والقواعد العسكرية والمنشآت النفطية والممرات البحرية يجعل السيطرة على التصعيد أكثر صعوبة، موضحاً أن “سوء تقدير” أو ضربة توقع خسائر كبيرة أو تستهدف منشأة استراتيجية قد تدفع بالمواجهة إلى مستوى مختلف.

ويضع العراق في مقدمة الساحات الأكثر عرضة للتداعيات، بسبب موقعه بين أطراف الصراع ووجود فصائل تمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة، ما يجعل أي نشاط عسكري ينطلق من أراضيه قادراً على التأثير في علاقاته مع الولايات المتحدة وإيران ودول الخليج.

وبحسب إلياس، لا يقتصر التحدي العراقي على منع استخدام أراضي البلاد في الصراع، بل يتعلق أيضاً بقدرة الدولة على احتكار قرار استخدام القوة ومنع تحول الجغرافيا العراقية إلى امتداد عسكري لصراعات إقليمية أوسع.

واقتصادياً، يحذر من أن امتداد المواجهة إلى منشآت الطاقة أو ممرات الملاحة قد يحول الأزمة الأمنية إلى أزمة اقتصادية، عبر ارتفاع تكاليف النقل والتأمين واضطراب صادرات النفط وسلاسل الإمداد.

وتظهر أهمية هذا التحذير في وقت انخفضت فيه حركة السفن عبر مضيق هرمز بصورة كبيرة، فيما تضررت الملاحة في باب المندب أيضاً، مع استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران منذ 28 شباط/ فبراير الماضي وتداعيات الهجمات الحوثية.

تعدد جبهات الصراع

وفي قراءة أكثر تركيزاً على الجانب العسكري، يقول الخبير الأمني، عدنان الكناني، إن الصراع لم يعد محصوراً بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، بل امتد إلى ساحات تستخدم فيها قوى حليفة أو متقاطعة مع هذه الأطراف.

وخلال حديثه لوكالة شفق نيوز، يشير الكناني، إلى الحوثيين في اليمن والفصائل العراقية وحزب الله في لبنان، معتبراً أن هذه الساحات يمكن أن تتحول إلى أدوات إسناد في حال اتساع المواجهة مع إيران.

ويرى أن الجبهتين السورية واللبنانية شهدتا تراجعاً في حدتهما مقارنة بساحات أخرى، مبيناً أن اليمن أصبح أكثر ارتباطاً بالمواجهة الإقليمية، مع تنامي الدور السعودي في مواجهة الحوثيين.

لكن العلاقة بين طهران وحلفائها ليست متطابقة في طبيعتها، فحزب الله اللبناني يعد من أقدم وأوثق حلفاء إيران، وترجع علاقته بها إلى مرحلة تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي، مع ارتباط عقائدي وسياسي بولاية الفقيه ودعم مالي وعسكري إيراني امتد لعقود.

أما جماعة أنصار الله اليمنية (الحوثيون)، فالعلاقة مع إيران أكثر مرونة، إذ يجتمع الطرفان في خصومة مشتركة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما ينتمي الحوثيون مذهبياً إلى البيئة الزيدية في اليمن ولا يتطابق تنظيمهم وعقيدتهم مع نموذج حزب الله.

وفي الحالتين، أدى الدعم والتنسيق الإيراني إلى تعزيز القدرات العسكرية والقدرة على التأثير في ساحات تتجاوز الحدود الوطنية.

وبالعودة إلى عدنان الكناني، يؤكد الخبير الأمني، أن اتساع الصراع لا يقتصر على الشرق الأوسط، مشيراً إلى الحرب الروسية – الأوكرانية وما يمكن أن ينتج عنها من تداعيات على الطاقة والاقتصاد الدولي، لكنه يطرح هذا الاحتمال باعتباره جزءاً من بيئة توتر دولية أوسع.

لاعبون خارج المحور

بدوره، يذهب الباحث في الشأن السياسي، سامي سلام، إلى أن تعدد اللاعبين الإقليميين يجعل من الصعب اختزال المشهد في محورين فقط.

ويلفت سلام، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى تركيا التي تملك حساباتها الخاصة، خصوصاً في الملف الحدودي والعسكري، وإلى الاتفاق العراقي – التركي الذي أُعلن في 23 أيلول/ سبتمبر الجاري خلال لقاء رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك.

وقضى الاتفاق بنقل السيطرة تدريجياً على قاعدة بعشيقة/زليكان إلى الحكومة العراقية، بالتوازي مع تفاهمات بشأن استعادة سلطة الدولة في سنجار وإنهاء وجود الجماعات المسلحة الأجنبية المحظورة هناك.

ويضيف سلام، أن السعودية أصبحت لاعباً أكثر مباشرة في المشهد الأمني، فيما تمثل سوريا الجديدة عاملاً مهماً في الحسابات العراقية، خصوصاً مع التغيرات التي طرأت على طرق التجارة والطاقة الإقليمية.

يذكر أنه منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، تغير موقع سوريا في شبكة التحالفات الإقليمية، مع تولي أحمد الشرع قيادة المرحلة الانتقالية واتجاه دمشق إلى توسيع علاقاتها العربية والدولية.

وفي 24 آب/ أغسطس 2026 ألغت الولايات المتحدة تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، في خطوة رافقها تخفيف واسع للعقوبات الأميركية.

وهذا التحول، بحسب القراءة التي يقدمها الخبراء، يعني أن الساحة السورية لم تعد تؤدي الدور ذاته الذي كانت تؤديه خلال عهد الأسد في شبكة النفوذ الإيراني، ما يضيف متغيراً جديداً إلى حسابات الفصائل الممتدة عبر الحدود.

الفراغ الجيوسياسي

وفي قراءة أوسع لمستقبل التوازنات الإقليمية، يقول مدير مركز “جي إس إم” للأبحاث والدراسات في موسكو، آصف ملحم، إن الولايات المتحدة قد تتجه إلى تخفيف حضورها في الشرق الأوسط بعد سنوات من الانخراط المباشر، ما قد يفتح الباب أمام فراغ جيوسياسي تسعى قوى إقليمية إلى ملئه.

ووفقاً لحديث ملحم، لوكالة شفق نيوز، فإن واشنطن تواجه كلفة متزايدة لاستمرار انخراطها في صراعات لم تُحسم، من غزة ولبنان واليمن إلى إيران والفصائل العراقية، معتبراً أن ذلك ينعكس على وضوح الرؤية الأميركية تجاه مستقبل المنطقة.

ويعتقد أن تركيا والسعودية وباكستان ومصر وإيران وإسرائيل ستسعى، بدرجات مختلفة، إلى تعزيز مواقعها في مرحلة إعادة تشكيل التوازنات، مستبعداً أن يشكل أي تحالف إقليمي بديلاً كاملاً عن الدور الأميركي.

ويحذر ملحم من أن التنافس على ملء أي فراغ قد يتحول إلى صراع نفوذ غير مباشر، عبر حلفاء وأدوات محلية، خصوصاً مع اختلاف الحسابات السياسية والأمنية لكل من تركيا وإيران والسعودية ومصر وإسرائيل.

ويشير إلى أن استمرار هذا التنافس من دون تفاهمات إقليمية قد يبقي المنطقة في حالة من عدم الاستقرار، مع احتمال انتقال التنافس بين القوى الإقليمية إلى ساحات جديدة عبر الأطراف المحلية المتحالفة معها.

السلاح وحصر الدولة

وفي العراق، تسعى حكومة علي فالح الزيدي، إلى تحييد البلاد عن الحرب الإقليمية، لكن الفصائل لا تتحرك جميعها وفق الحسابات الحكومية ذاتها، وفق سامي سلام.

ويتابع قائلاً إن بعض الفصائل سلم سلاحه أو اتجه إلى الاندماج ضمن مؤسسات الدولة، في حين تتمسك فصائل أخرى بالسلاح وترتبط سياسياً وعقائدياً بإيران، وتعتبر أن استمرار التهديدات الإقليمية يبرر الاحتفاظ بما تسميه “سلاح المقاومة”.

وكانت كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء من أبرز القوى التي أعلنت رفضها التخلي عن السلاح قبل تحقيق شروط تتعلق بالسيادة والوجود العسكري الأجنبي.

وفي المقابل، أبدت فصائل أخرى، بينها عصائب أهل الحق وسرايا السلام وكتائب الإمام علي، مواقف أكثر استعداداً للاندماج أو التعامل مع مسار الدولة.

وتربط بعض الفصائل الرافضة تسليم سلاحها بالانسحاب الكامل للقوات الأجنبية، فيما طالبت أخرى بضمانات دفاعية، بما في ذلك تعزيز قدرة العراق على حماية أجوائه.

نهاية مهمة التحالف

ويأتي هذا الجدل بالتزامن مع الموعد المقرر لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” في العراق بعد 4 أيام فقط في 30 أيلول/ سبتمبر الجاري.

وكانت بغداد وواشنطن قد أعلنتا في 27 أيلول/ سبتمبر 2024 خطة للانتقال من مهمة التحالف العسكرية إلى علاقة أمنية ثنائية، على مراحل، على أن تكتمل عملية الانتقال في أيلول/ سبتمبر 2026.

وفي المرحلة الأخيرة انسحبت القوات المتبقية من مواقع التحالف، بينما يجري نقل بعض المنشآت والمعدات إلى السلطات العراقية.

وتقول الحكومة العراقية إن القوات الأمنية أصبحت قادرة على إدارة الملف الأمني الداخلي ومواجهة بقايا “داعش”، بينما ستستمر بعد انتهاء مهمة التحالف أشكال من التعاون الثنائي، بينها تبادل المعلومات والتعاون الاستخباري وبرامج التسليح والتدريب.

تمديد حصر السلاح

وكان ملف السلاح مرتبطاً في البداية بموعد 30 أيلول/ سبتمبر 2026، لكن رئيس الوزراء علي الزيدي أعلن في 22 أيلول/ سبتمبر الجاري خطة تدريجية جديدة تقضي ببدء مرحلة مدتها 90 يوماً تتوقف خلالها الفصائل عن تنفيذ الهجمات، مقابل عدم تعرضها لهجمات أميركية، على أن تبدأ بعدها عملية تسليم السلاح وتنتهي بحلول 30 حزيران/ يونيو 2027.

ويؤكد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، أمس الجمعة، أن الحكومة تعمل على خطة جديدة لمعالجة ملف الأسلحة غير المرخصة ووضعها تحت سيطرة الدولة، في وقت تستمر فيه المفاوضات مع الفصائل.

لكن الموعد الجديد لا يعني أن جميع الفصائل وافقت عليه، فقد أكدت حركة النجباء في 4 أيلول/ سبتمبر الجاري رفضها تسليم ما تسميه “سلاح المقاومة”، فيما قالت فصائل أخرى إن التخلي عن السلاح مرتبط بانسحاب القوات الأجنبية وضمان أمن العراق وسيادته.

كما يدور داخل القوى السياسية العراقية نقاش حول آلية تنفيذ الخطة، إذ حذر مصدر في الإطار التنسيقي، تحدث لوكالة شفق نيوز في 23 أيلول/ سبتمبر الجاري، من أن تحديد موعد ثابت قد يعقد المفاوضات مع قادة الفصائل، رغم استمرار العمل على التوصل إلى آلية لتسليم السلاح وإدارته.

تداعيات تتجاوز الأمن

وتنطوي قضية الفصائل العراقية على أبعاد داخلية وخارجية، بحسب أستاذ الفكر الصهيوني بجامعة الإسكندرية، أحمد فؤاد أنور.

ويوضح أنور، لوكالة شفق نيوز، أن أي اضطراب أمني أو تأخر في مستحقات بعض القوى قد ينعكس على الأمن الداخلي، فيما يرتبط البعد الخارجي بمدى تعرض إيران للضغط وإمكانية انعكاس ذلك على نشاط الفصائل العراقية.

كما يحذر من تداعيات التوتر الإقليمي على أسعار الوقود وحركة الطيران والتأمين، معتبراً أن المواطن العراقي سيكون أول المتأثرين بأي اضطراب أمني أو اقتصادي واسع.

ويعتبر الأكاديمي المصري أن تعدد الأطراف المتداخلة، وبينها تركيا وإيران والولايات المتحدة وإسرائيل، يجعل معالجة ملف الفصائل مرتبطة أيضاً بتفاهمات إقليمية أوسع، ويطرح من جهته فكرة إعادة النظر في الإطار السياسي والدستوري العراقي لمعالجة هذه التعقيدات.

ومن بيروت، يذهب الكاتب والمحلل السياسي، حسين شعيتو، إلى أن العراق لا يمكن فصله عن التطورات في الشرق الأوسط، بسبب موقعه الجغرافي والسياسي وتداخل القوى الإقليمية داخله.

ويعتبر شعيتو، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن العراق يمثل إحدى الجبهات المهمة بالنسبة إلى القوى المتحالفة مع إيران، وأن الخلاف حول السلاح لا ينفصل عن مسألة الوجود الأميركي وطبيعة التوازنات الإقليمية.

ويبين شعيتو، أن استمرار الخلاف بين الحكومة والفصائل بشأن السلاح قد يفتح الباب أمام توتر داخلي، واصفاً الوضع بأنه “جمر تحت الرماد”، لكنه يرى في الوقت نفسه أن الحوار يمكن أن يمنع انتقال الخلاف إلى مواجهة مسلحة.

ويشدد على أهمية المرجعية الدينية في العراق في تهدئة الشارع ومنع الانزلاق إلى صراع داخلي، معتبراً في الختام أن استقرار العراق سيكون عاملاً أساسياً في استقرار المنطقة ككل.