في بيئة سياسية ينشط فيها نحو 40 حزباً مسجلاً رسمياً في إقليم كوردستان وتتجاذبها الضغوط الإقليمية، لم تكن الدبلوماسية الهادئة و”الصبر الاستراتيجي” لرئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني مجرد خيار ترفي، بل شكّلا درعاً للحفاظ على توازنات إقليم كوردستان وتجنب الانهيار.
ومن زاوية مراكز صنع القرار في بغداد والعواصم الإقليمية والقوى الدولية، يُنظر إلى هذا النهج البراغماتي بوصفه قناة موثوقة لبناء جسور الحوار وتفكيك العقد السياسية المستعصية. ففي المراحل التي طغت فيها لغة التخندق والاستقطاب الحاد على المنطقة، برزت مساعٍ لإعلاء صوت العقل والاعتدال والاحتكام إلى الأطر الدستورية، بما عزز صورة إقليم كوردستان، من وجهة نظر هذا النهج، باعتباره منطقة مستقرة وشريكاً فاعلاً في احتواء التوترات الإقليمية.
وعلى الصعيد التاريخي، تجلى هذا الأسلوب في التعامل مع العديد من المحطات الحساسة، من بينها تهدئة تداعيات المراحل الصعبة، والحفاظ على التوازن بين القوى المتنافسة، والتعامل بواقعية مع العوامل الخارجية التي شكلت تهديداً لكيان الإقليم. وفي الوقت الذي لجأت فيه أطراف أخرى إلى الخطابات المتشددة وردود الفعل العاطفية، سعى هذا النهج إلى الإبقاء على هامش من الأمان يضمن استمرارية الكيان السياسي للإقليم.
ومع ذلك، فإن القراءة المجردة إلى واقع الحكم والإدارة يكشف عن تباين واضح بين الأداء الخارجي والداخلي، يعكس اختلاف البيئتين اللتين يتحرك ضمنهما رئيس الإقليم. فبينما تتسع مساحة المناورة السياسية في الخارج، يبقى الداخل محاطاً بالمشكلات البنيوية والنفوذ الحزبي داخل المؤسسات.
وفي هذا السياق، لم تسمح محدودية السلطات الفعلية لنيجيرفان بارزاني بممارسة جميع صلاحياته القانونية بصفته رئيساً للإقليم، بما في ذلك الصلاحيات المتعلقة بالقيادة العامة للقوات المسلحة والمؤسسات الأمنية، الأمر الذي دفعه، سعياً إلى تجنب المزيد من الصدامات الداخلية، إلى أداء دور الوسيط والعمل على تهدئة التوترات.
كما أن تعدد مراكز النفوذ وتباين المصالح بين القوى السياسية الرئيسية شكّلا تحدياً أمام تعزيز الدور الجامع لمؤسسة رئاسة الإقليم، وأثّرا في فرص نجاح مساعي المصالحة وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة.
وإلى جانب هذه التحديات، ظلت أزمة الاقتصاد الريعي غير المنتج معضلة بنيوية عميقة. فالاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، وتفاقم الأزمات المالية، واشتداد الأعباء المعيشية على الموظفين وأصحاب الرواتب، والتباطؤ في تنفيذ الإصلاحات الجذرية، جميعها عوامل فرضت أعباء نفسية ومادية ثقيلة على المجتمع، وأسهمت في تراجع الثقة العامة بالمؤسسات.
وقد جعل هذا الواقع المشهد السياسي الداخلي محصوراً في حدود التسويات المؤقتة وتهدئة الأزمات، دون الارتقاء إلى مستوى الإصلاحات الجوهرية القادرة على معالجة أسباب الاختلالات القائمة.
غير أن المفارقة تكمن في أن الصبر الاستراتيجي، الذي أسهم في حماية توازنات الإقليم الخارجية، قد يتحول داخلياً إلى عامل لإطالة أمد الأزمات إذا اقتصر على التهدئة دون الإصلاح. وهنا لا يمكن فصل القيود التي تواجه نيجيرفان بارزاني عن المسؤولية السياسية المشتركة للقوى التي تدير منظومة الحكم، فالمعضلة لا تتعلق بقدرة شخصية واحدة على احتواء الخلافات، بل بمدى استعداد الأطراف السياسية لتجاوز أية معضلة، وتوحيد المؤسسات ومراكز القرار، والانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها.
واليوم، ومع دخول المنطقة مرحلة جديدة محفوفة بالمخاطر، تواجه الرؤية الدبلوماسية لرئيس الإقليم ثلاثة تحديات مباشرة تضع قدرتها على الاستمرار موضع تساؤل.
أولاً – تضاؤل هامش المناورة السياسية نتيجة الاستقطابات الإقليمية الحادة والتدخلات الخارجية التي تقلص من قدرة الإقليم على اتخاذ قرارات مستقلة والحفاظ على توازن علاقاته مع الأطراف المتنافسة.
ثانياً – استمرار ضغوط بغداد من خلال توظيف المستحقات المالية وملفي الرواتب والموازنة بوصفها أوراق ضغط، الأمر الذي يجعل المحادثات والمفاوضات الدستورية تدور في حلقة مفرغة، ويعرقل الوصول إلى تفاهمات مستدامة.
ثالثاً – التحولات الجوهرية في التوقعات الداخلية إذ بات الخطاب المعتدل أقل انسجاماً مع المطالب المتسارعة للأجيال الجديدة، في ظل تنامي الإحباط الاجتماعي من تباطؤ الإصلاحات، ما دفع قطاعات من المجتمع إلى النظر بعين الشك إلى سياسة الصبر الاستراتيجي طويلة الأمد.
وفي ظل هذه الظروف المليئة بالتقلبات، تبرز مجموعة من الدروس المستخلصة من التجارب السابقة. فعلى الرغم من أن الدبلوماسية والصبر الاستراتيجي يمثلان وسيلتين أساسيتين لتجنب الانهيار في بيئة محفوفة بالمخاطر ومحاطة ببؤر التوتر، وأن الحفاظ على دور الوسيط العقلاني في أوقات الأزمات يمنح الإقليم مكانة سياسية وجغرافية مهمة، فإن تطوير آليات إدارة شؤونه، بما تنطوي عليه من تعقيدات وتوازنات سياسية وحزبية، لا يمكن أن يقع على عاتق شخصية واحدة، مهما امتلكت من قدرات سياسية ودبلوماسية.
فعندما تتراكم التعقيدات الإدارية والاقتصادية، وتبقى المؤسسات مقيدة بتعدد مراكز النفوذ والحسابات الحزبية، يجد إقليم كوردستان نفسه أمام اختبار حاسم بين الضغوط الخارجية وتحديات الإصلاح الداخلي. وهنا تتجلى أهمية المعادلة التي يطرحها هذا الواقع، وهي أن الدبلوماسية الخارجية، مهما بلغت فاعليتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن تعزيز الشرعية الداخلية وترسيخ ثقة المجتمع بمؤسساته.
