مقدمة: تحولات واشنطن وأوراق ضغط الكونغرس

تُحدث خسارة ترامب والجمهوريين وسيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ (أو أحدهما) في الانتخابات النصفية تحولاً كبيراً في توازن القوى داخل واشنطن. ورغم أن السياسة الخارجية تُدار تنظيمياً عبر الإدارة التنفيذية والبيت الأبيض، إلا أن الكونغرس يمتلك أوراق ضغط مادية وتشريعية مسببة لتأثيرات مباشرة على مستقبل الملف الكردي في سوريا والعراق:

شمال وشرق سوريا (قسد): الحد من سياسات “الانسحاب المفاجئ” عبر جلسات الاستماع واستدعاء المسؤولين، وتأمين سلاح التمويل والتدريب والمساعدات اللوجستية عبر قانون الميزانية الدفاعية (NDAA)، فضلاً عن فرملة التقارب الأمريكي-التركي على حساب الشريك الكردي باستخدام ملفات مبيعات السلاح.

إقليم كردستان العراق: دعم الكيان الفيدرالي الدستوري، ومواجهة الضغوط والفصائل الضاغطة لتقليص صلاحيات الإقليم، إلى جانب ضمان استمرار التمويل العسكري المخصص لإصلاح وتوحيد البيشمركة والتنسيق الأمني في المناطق المتنازع عليها.

الرقابة والعقوبات: تشديد الرقابة التشريعية لمنع اتخاذ قرارات أحادية تُلحق الضرر بالحلفاء الكرد للتودد لأطراف إقليمية، واستخدام ملف العقوبات لمحاصرة التمدد والنفوذ الضاغط في المنطقة.

أولاً: صفقات ترامب وتوم باراك.. الاقتصاد السياسي على حساب الدم الكردي

إن المحطات القاسية التي تعرض لها الكرد في سوريا من قتل للمدنيين وتطهير وموجات تهجير طالت مناطق عديدة، إضافة إلى خسارة المناطق المتنازع عليها (أي المناطق الكردستانية التي تقع خارج حدود الإقليم)، ودخول “ب.ك.ك” في حوار سلام يُعد في جوهره “حوار استسلام”، كانت جميعها نتاجاً مباشراً لسياسات دونالد ترامب ومبعوثه توم باراك.

لقد قامت هذه القرارات على أسباب مصلحية واقتصادية شخصية لهاتين الشخصيتين اللتين دخلتا في صفقات وتفاهمات تجارية لشركاتهم (مثل استثمارات العقارات والمال عبر شركات كـ Colony Capital) على حساب حقوق الشعب الكردي. حُوِّل الكرد بموجب هذه النظرية من “حليف استراتيجي” إلى مجرد “شريك عسكري مؤقت” انتهت صلاحيته بانتهاء المعارك الميدانية، مقابل إعادة توثيق العلاقات مع الدول والأنظمة المركزية المستقرة تجارياً (في أنقرة ودمشق)، وبدعم وتمويل خليجي (من قطر والسعودية) اللتين ساعدتا كلاً من النظام الحالي في سوريا وأردوغان –الصديق المقرب لترامب وباراك– لضرب النفوذ الكردي وتجريده من مكاسبه.

ثانياً: استراتيجيات المواجهة ومأسسة البيت الداخلي الكردي

لتفكيك هذا الحصار الإقليمي والحد من السياسات الصفقاتية، يتعين على القيادة الكردية التحرك وفق استراتيجية عملية ومؤسسية تتجاوز الرهانات العسكرية التقليدية:

1. في العراق (إقليم كردستان)

توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية: الاستفادة من ضغوط مجلس النواب والشيوخ والبنتاغون لإلزام الأحزاب لتوحيد قوات البيشمركة والأجهزة الأمنية (الآسايش) تحت مظلة مؤسساتية وطنية موحدة بعيداً عن الاستقطاب والحيازة الحزبية.

إحياء البرلمان وسيادة القرار الوطني: إعادة إحياء دور البرلمان الكردي وسحب ملف القرارات المصيرية والاستراتيجية من مكاتب الأحزاب وتكريسها تحت قبة البرلمان؛ لضمان عدم فقدان القرارات لشرعيتها ومقبوليتها الشعبية، والضغط الصارم لمنع الأحزاب الكردية من التدخل في قرارات المؤسسات الوطنية.

الحوكمة الشاملة: إحداث شفافية اقتصادية وحل الملفات المتبقية حول الطاقة والميزانية مع بغداد، لتفويت فرصة الابتزاز الاقتصادي على القوى الضاغطة.

2. في سوريا (شمال وشرق سوريا – الإدارة الذاتية وقسد)

الفصل بين المسارين: فصل العمل العسكري عن إدارة الحكم المدني الشفاف القادر على حماية التنوع والأقليات، مما يسهل الدفاع عنه دولياً.

الانخراط السياسي: تقديم رؤى واقعية للحوار السوري الشامل ضمن إطار لامركزي يضمن الحقوق القومية، والاستثمار الاحترافي الدائم في ملف مكافحة الإرهاب ومخيمات المعتقلين كونها مصلحة أمن قومي غربية.

3. في تركيا وشرط السلام المتوازن

المسار البرلماني والديمقراطي: العمل عبر الأحزاب الشرعية (مثل حزب DEM) لربط الحقوق الكردية بالإصلاح الدستوري والحريات العامة، وسحب أي ذرائع تُستغل لضرب الاستقرار في سوريا.

عدم نزع السلاح الأحادي: المطالبة بنزع السلاح من طرف واحد ودون مقابل تُعتبر معادلة مجحفة وتجريداً للردع الكردي. ولنجاح أي مسار سلام حقيقي، يُشترط تقديم تنازلات وخطوات ملموسة من الدولة التركية تشمل: الاعتراف الدستوري بالهوية واللغة الكردية، الإفراج عن المعتقلين السياسيين وفي مقدمتهم قادة حزب DEM، وإلغاء نظام الوصاية على البلديات، على أن يُدار مسار السلام تحت رعاية ومراقبة دولية (أمريكية – أوروبية) ملزمة.

4. الدبلوماسية الشعبية والضغط الدولي

تأسيس لوبي كردي موحد: توحيد جهود الكرد في العراق وسوريا والمغتربين (Diaspora) في الولايات المتحدة وأوروبا لتشكيل قوة ضغط انتخابية وسياسية مؤخرة ومؤثرة داخل واشنطن والكونغرس.

التدويل القانوني: توثيق الانتهاكات وعمليات التغيير الديمغرافي واستهداف البنى التحتية، ورفعها أمام المحاكم الدولية والمنظمات الأممية لرفع الكلفة السياسية والأخلاقية على القوى الإقليمية والدولية المتجاوزة.