في السياسة الدولية ثمة أخطاء لا تُقاس بنتائجها المباشرة بل بحجم الرموز التي تمسها ، فالعالم لا يخاف من الرصاص وحده ، بل أيضا من اليد التي تعبث بالأماكن المقدسة للجغرافيا السياسية ، وتلك العقد البحرية التي كتبت حولها خرائط النفوذ منذ قرون ، و” مضيق هرمز ” أحد تلك الأماكن التي يخشى العالم الاقتراب من ارتباكها اليوم ، فهو ليس ممرا مائيا ضيقا بين اليابسة والبحر فقط ، بل شريان تتنفس منه الأسواق وتعبر فوق مياهه أعصاب العالم المرتجفة بين النفط والحرب
وحين اقترب الرئيس الأمريكي ” دونالد ترامب ” من هذه المنطقة بعقلية التاجر الذي يظن أن كل شيء قابل للمساومة ، بدا كمن يدخل إلى معبد قديم مرتديا ضجيجه السياسي ، غير مدرك أن بعض الأبواب لا تُفتح بالصخب بل بالصمت والحكمة والتوازن ، فلقد بنى ترامب صورته السياسية على فكرة الرجل الذي يهز الطاولة ويكسر القواعد ويحول السياسة إلى استعراض دائم للقوة ، لكنه في الشرق وتحديدا عند ” هرمز ” اصطدم بحقيقة مختلفة ، فهذه المنطقة ليست حلبة انتخابية ولا منصة لإلقاء الشعارات بل أرشيف طويل من التوازنات الأقليمية ، حيث يكفي خطأ واحد كي ترتجف خرائط الاقتصاد وتتعثر القوى الكبرى في وحل الحسابات المعقدة ، ولعل تصريحه الأخير ضد ” سلطنة عمان ” كان أحد أكثر لحظات هذا الارتباك وضوحا ، فحين تحدث ترامب بغضب عن أي دور قد يسمح لإيران بالاقتراب من التحكم بمضيق هرمز ، واعتبر أن الممر البحري يجب أن يبقى بعيدا عن أي ترتيبات إقليمية قد تقيد النفوذ الأمريكي ، بدا وكأنه يحاول إدارة الشرق الأوسط بعقلية الإنذار لا بعقلية التوازن ، لقد جاء تصعيده بعد تصاعد الحديث عن ترتيبات أمنية وملاحية مرتبطة بعُمان وإيران في المضيق ، الأمر الذي أثار قلق واشنطن من تحول هذا الشريان البحري إلى مساحة نفوذ تتراجع فيها الهيمنة الأمريكية التقليدية
لكن المشكلة لم تكن في التصريح وحده ، بل في اللغة التي حملها ذلك التصريح ، فالتهديدات الحادة تجاه دولة عُرفت تاريخيا بسياسة الحياد والوساطة كشفت مقدار التخبط الذي وصلت إليه إدارة الأزمة ، فسلطنة عمان لم تكن يوما لاعبا صاخبا في المنطقة بل كانت دائما تمثل الجدار الهادئ الذي يمنع اشتعال الحرائق الكبرى ، ولذلك بدا استهدافها سياسيا وكأنه تعبير عن عجز القوة حين تفقد قدرتها على فهم طبيعة المكان الذي تتحرك فيه ، فعُمان بهدوئها التاريخي تمثل النقيض الكامل للعقلية ” الترامبية ” فهي لا تؤمن بالاستعراض بل بفلسفة الممرات الآمنة والكلمات التي تُقال همسا قبل أن تتحول إلى حرائق ، وفي كل مرة تتوتر فيها المنطقة تبدو ” مسقط ” وكأنها الحكيم الذي يجلس بعيدا عن صخب المقاتلين ، ويعرف أن السفن لا تنجو بالصراخ بل بوجود من يحفظ للبحر توازنه ولهذا فإن اضطرار واشنطن للعودة إلى البوابة العُمانية رغم لغة التهديد ، يحمل اعترافا غير معلن بأن سياسة الحافة التي اتبعها ترامب بدأت تستنزف نفسها بنفسها ، فالسياسي الذي يربح معاركه عبر خلق الأزمات يكتشف متأخرا أن بعض الأزمات لا يمكن السيطرة عليها بعد إشعالها ، ومن هنا ياتي ” مضيق هرمز ” كملف غير قابل للمقامرة ، لأنه ببساطة يتجاوز حدود الرئاسة الأمريكية نفسها ، إنه عقدة دولية ترتبط بها قوى الشرق والغرب وأسواق المال ومصائر الدول الهشة ، وحتى الخوف الكامن في ذاكرة العالم من حرب كبرى قد تبدأ من زوارق صغيرة لكنها لا تنتهي عند حدود الخليج
لقد ظن ترامب أن بإمكانه تحريك الحجر الراكد بعنف ، لكنه لم يدرك أن هذا الحجر ليس ساكنا كما يبدو بل مثبت فوق طبقات من التاريخ والتحالفات والمخاوف والمصالح المتشابكة فبعض الأحجار حين تُحرك لا تسقط وحدها بل تُسقط معها من حاول اقتلاعها ، ومن هنا تبدأ المعضلة الحقيقية ، إذ إن التخبط السياسي لا يظهر فقط في القرارات المتناقضة بل في غياب القدرة على فهم روح المكان الذي تُمارس عليه السياسة ، فالشرق لا يُدار بعقلية الصفقات السريعة لأن ذاكرته أقدم من أن تُخدع بالشعارات العابرة وأعمق من أن تنكسر بتهديدات موسمية ، ولعل أخطر ما يواجهه ترامب اليوم ليس خصومه السياسيين داخل أمريكا ، بل الصورة التي بدأت تتآكل عنه بوصفه رجل ” الحسم ” ، فالقائد الذي يرفع سقف المواجهة باستمرار ثم يعود للبحث عن مخارج هادئة عبر الوسطاء يمنح العالم انطباعا بأن القوة التي يلوح بها لم تعد تملك يقينها القديم ، وبناءً على ذلك يتحول اليوم مضيق هرمز من مجرد أزمة جيوسياسية إلى مرآة تعكس اهتزاز المشروع السياسي نفسه ، فحين يختلط التهديد بالارتباك والاستعراض بالحاجة إلى التهدئة ، تبدأ نهاية الخطاب الذي بُني على فكرة ” الرجل الذي لا يتراجع ” ، فقد لا تكون نهاية السياسي دائما خسارة انتخابية أو انسحابا من المشهد ، بل اللحظة التي يدرك فيها العالم أن صوته لم يعد مرعبا كما كان ، وأن الضجيج الذي كان يملأ الساحات لم يعد قادرا على إخفاء ارتباك الخطوات خلفه ، لأن السياسة في النهاية ليست القدرة على تحريك الحجارة فقط ، بل الحكمة في معرفة أي حجر يجب ألا يُمس .