شفق نيوز- ترجمة خاصة
يعيد أثر صغير لحصير متفحم طبع فوق قطعة من القار الطبيعي، يعود تاريخه إلى نحو 9 آلاف عام ومحفوظ في المتحف الوطني الإيراني، رسم ملامح الطفرة الهندسية والمعيشية المبكرة للمجتمعات الزراعية الأولى في فلات إيران والعالم.
وبحسب تقرير لوكالة “فارس” الإيرانية ترجمته وكالة شفق نيوز، فإن القطعة الأثرية، التي لا تتجاوز أبعادها 13.5/ 22 سنتيمتراً، تعود إلى الألفية السابعة قبل الميلاد، وعثر عليها في موقع “تلة علي كش” الأثري بمحافظة إيلام الفيلية غربي إيران.
وهي تقدم دليلاً ملموساً على كيفية ابتكار إنسان العصر الحجري الحديث حلولاً هندسية ذكية عبر استغلال الموارد البيئية المحيطة به.
تقنية “عزل الرطوبة”
ووفقاً للبيانات الأثرية الرسمية، فإن القطعة تحمل رقم تسجيل مجمعي 2275، وتعود تحديداً إلى الحقبة الثقافية المعروفة بـ”مرحلة علي كش” (بين 7000 و7350 قبل الميلاد).
وما يمنح هذه القطعة قيمتها العلمية الاستثنائية هو “الطبعة العكسية” لنسيج الحصير المحفورة بدقة على سطح القار.
وتكشف التحليلات المقارنة أن الحصير نسج بأسلوب تقني يعرف بـ”اثنتان من فوق، واثنتان من تحت”، وهو تكنيك نسيجي معقد نسبياً لا يزال مستخدماً في بعض الحرف اليدوية التقليدية حتى اليوم.
وتشير جدارية المكتشفات إلى أن منازل تلك الحقبة كانت تبنى من الطوب النيئ (اللبن) دون خلطه بالقش، وكانت الجدران تطلى من الداخل بلياسة طينية ناعمة.
إلا أن التحدي الأكبر لساكني المنطقة تمثل في رطوبة الأرض؛ حيث تظهر الفحوصات أن السكان عمدوا إلى رصف الأرضيات بالطين “المدكوك” أولاً، ثم وضع طبقة عازلة تجمع بين “الحصير” و”السيال النفطي أو القار الطبيعي” المتوفر بكثرة في حقول دهلران القريبة.
ويرى خبراء الآثار أن هذا المزيج يمثل أحد أقدم نماذج “العزل المائي والحراري الطبيعي” في تاريخ البناء البشري، قبل آلاف السنين من اختراع مواد البناء العازلة الحديثة.
من هندسة البيوت إلى طقوس الموت
لم يكن استخدام الحصير في مجتمع “علي كش” مقتصراً على الجانب المعماري، بل كان جزءاً حيوياً من الأنشطة الاقتصادية والطقوس العقائدية، بحسب المكتشفات:
الاقتصاد المنزلي: استخدم النسيج الحصيري المشتق من نبات القصب (الذي كان ينمو بغزارة على ضفاف أنهار سهل دهلران) في صناعة سلال حفظ الأغذية ونقلها.
الطقوس الجنائزية: كشفت التنقيبات أن الموتى في تلك الحقبة كانوا يلفّون بـ”أكفان حصيرية” قبل أن يتم دفنهم في “وضعية الجنين” (المنكمشة) تحت أرضيات المنازل السكنية؛ وهو سلوك أنثروبولوجي يربطه العلماء برغبة المجتمعات المبكرة في الحفاظ على الروابط الروحية بين الموتى والمساحة العائلية.
موقع “علي كش”
تصنف “تلة علي كش” عالمياً كواحدة من المحطات المرجعية لفهم التحول البشري من مرحلة الصيد والجمع إلى مرحلة الاستقرار الزراعي والرعوي في الشرق الأوسط.
وكان الموقع قد خضع لتنقيبات علمية موسعة في ستينيات القرن الماضي (1916 – 1963) على يد عالمي الآثار الأميركيين البارزين “فرانك هول” و”كينت فلانري”.
وأثبتت الدراسات تعاقب ثلاث مراحل استيطانية رئيسية في الموقع هي: (بزمرده، وعلي كش، ومحمد جعفر).
ويجمع الباحثون اليوم على أن هذه القطعة الصغيرة من القار ليست مجرد مادة متحفية جامدة، بل هي وثيقة حية تثبت أن جذور “العمارة المستدامة” والتعامل الذكي مع الموارد الطبيعية بدأت تتشكل ملامحها في الهضبة الإيرانية منذ ما يربو على 90 قرناً.