شفق نيوز- بغداد
يطمئن متخصصون بالاقتصاد، بأن أموال المودعين في المصارف العراقية لا تواجه أي خطر، في ظل المعطيات المتاحة حتى الآن، أو أي مؤشرات تستدعي فرض قيود شاملة على السحوبات، لكنهم أشاروا في نفس الوقت، إلى أن أزمة مصرف “الطيف الإسلامي” أعادت فقدان الثقة بالقطاع المصرفي إلى الواجهة، وأن انتشار المخاوف والشائعات قد يتحول بحد ذاته إلى مصدر ضغط على السيولة.
وفي أحدث موقف، أكد البنك المركزي العراقي، الثلاثاء، أن حقوق مودعي مصرف “الطيف الإسلامي” محفوظة، وأن فرض الوصاية عليه لمدة 18 شهراً إجراء رقابي ووقائي “لا يعني إفلاسه”.
وأشار إلى أنه يعمل مع الوصي عماد محمد حمد على تعزيز السيولة وتنظيم عمليات السحب والوفاء بالالتزامات بصورة تدريجية، مع إعطاء الأولوية لرواتب الموظفين الموطنة لدى المصرف.
وجاء ذلك بعد احتجاجات شهدتها العاصمة بغداد والبصرة (أقصى جنوب البلاد) منذ الأحد الماضي، على خلفية توقف أو تقييد عمليات السحب وبعض الخدمات المصرفية.
وعن مدى وجود مخاطر عامة على ودائع العراقيين واحتمال فرض قيود على السحوبات، يقول المستشار المالي والاقتصادي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، إن سلامة الودائع واستقرار الجهاز المصرفي يمثلان أولوية للجهات الرقابية.
ويرى صالح خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن المؤشرات المتاحة لا تظهر في الوقت الراهن ما يستدعي القلق بشأن قدرة الجهاز المصرفي عموماً على الوفاء بالتزاماته تجاه المودعين.
ويوضح أن الجهات الرقابية تتابع بصورة مستمرة مستويات السيولة والملاءة وكفاية رأس المال وجودة الأصول، إلى جانب مخاطر الائتمان والسيولة والسوق وإدارة الأصول والمطلوبات.
ويؤكد أن المصارف مطالبة بالاحتفاظ بمستويات مناسبة من الأصول السائلة تمكنها من تلبية الالتزامات قصيرة الأجل وطلبات السحب والتحويل.
ويؤكد المستشار الحكومي مجدداً عدم وجود، وفق المعطيات الحالية، مؤشرات عامة تستدعي اللجوء إلى إجراءات استثنائية بشأن السحوبات، داعياً المواطنين إلى الاعتماد على البيانات الرسمية وعدم الانجرار وراء الشائعات.
كما يشدد على أن حماية أموال المودعين وتعزيز الثقة بالجهاز المصرفي يمثلان ركناً أساسياً للاستقرار النقدي والمالي.
وحاولت وكالة شفق نيوز، التواصل مع البنك المركزي العراقي، والحصول على أجوبة لأسئلة عديدة، لكن أغلب المسؤولين فيه رفضوا الإدلاء بأي تصريح.
مخاطر متفاوتة
لكن الباحث في الشأن الاقتصادي، أحمد عيد، يرى أن غياب قرارات رسمية بفرض قيود عامة لا يعني بالضرورة أن جميع المصارف العراقية تتمتع بالمستوى نفسه من الاستقرار.
ويقول عيد لوكالة شفق نيوز، إن المخاطر تختلف من مصرف إلى آخر بحسب مركزه المالي وحجم السيولة وقدرته على الوفاء بالتزاماته.
ويلفت إلى أن بعض المصارف التي تواجه مشكلات مالية أو إجراءات رقابية قد تواجه صعوبات مؤقتة في تلبية طلبات السحب، من دون أن يعني ذلك تعميم الحالة على القطاع بأكمله.
ويضيف أن العراق يعاني أساساً من ضعف السيولة المصرفية المرتبط جزئياً باكتناز المواطنين جزءاً كبيراً من أموالهم خارج الدائرة المصرفية نتيجة ضعف الثقة.
ويحذر من أن انتشار المخاوف والشائعات قد يؤدي إلى سحوبات واسعة تضغط على السيولة حتى في المصارف التي لا تعاني مشكلة جوهرية.
إصلاح يحمي المودعين
ويتفق الخبير الاقتصادي، أحمد عبد ربه، مع أهمية التمييز بين الإجراءات الرقابية والإفلاس، قائلاً إنه لا توجد مؤشرات تستدعي القلق من تعرض مدخرات المودعين لخسائر مفاجئة، وإن الإجراءات التي يتخذها البنك المركزي تستهدف حماية الأموال واستقرار الجهاز المصرفي.
ويرى عبد ربه خلال حديثه إلى وكالة شفق نيوز، أن ما يحدث يأتي ضمن خطة إصلاح مصرفي أوسع تقوم على تقييم المصارف وفق معايير الحوكمة والامتثال وإدارة المخاطر والشفافية، مع فتح مسارات أمام المؤسسات المصرفية بين الاستمرار بشكل مستقل أو الاندماج أو الخروج من السوق.
وكان البنك المركزي العراقي قد أعلن في شباط/ فبراير 2026 أن المصارف الخاضعة لبرنامج الإصلاح ستسلك أحد هذه المسارات، في خطوة تعكس اتجاهاً لإعادة تشكيل القطاع وتقليص عدد المؤسسات غير القادرة على استيفاء المتطلبات الجديدة.
ويقول عبد ربه إن الحديث عن قيود عامة على السحوبات لا ينبغي ربطه تلقائياً ببرنامج الإصلاح، مشيراً إلى تأكيد البنك المركزي أن ضمان وصول المودعين إلى أموالهم يمثل أولوية، وأن المصارف المجازة تشارك في منظومة ضمان الودائع.
وتأتي هذه الإجراءات الإصلاحية في وقت يواجه فيه القطاع المصرفي العراقي تحدياً أوسع يتعلق بالسيولة والثقة، في ظل ضغوط على بعض المصارف للوصول إلى الدولار والنظام المالي الدولي، واستمرار احتفاظ المواطنين بجزء كبير من أموالهم خارج الجهاز المصرفي.
كما تجري هذه الإجراءات بالتزامن مع برنامج ينفذه البنك المركزي العراقي لإعادة هيكلة القطاع بالتعاون مع شركة “أوليفر وايمان” العالمية للاستشارات الإدارية، بهدف تعزيز الحوكمة وإدارة المخاطر والامتثال للمعايير المالية الدولية.
