وجدت الشكلية في الشرائع القانونية القديمة ولازالت موجودة في أحدثها، والشكلية البدائية هي شكلية رمزية تنطوي على القيام بحركات خاصة أو التفوه بعبارات محددة يتوقف عليها تحقق الأثر القانوني، ويرى مؤرخو القانون أن هذه الشكلية كانت تعبر عن رغبة عند الإنسان القديم في إشباع غريزة حب المظاهر الخارجية البراقة التي كانت، بما تضفيه من رونق وبهاء على حياته، تقيم الحساسية مقام عقلية كانت لاتزال قاصرة.
وتختلف الشكلية الحديثة عن القديمة في أنها معقولة ومنطقية وأكثر مرونة، وأنها لا تكفي لوحدها لترتيب الأثر القانوني بل يجب أن تقترن بالإرادة السليمة غير المشوبة بعيب من عيوب الرضا، فالإرادة هي التي يقع عليها الشكل، ولم تعد الشكليات الحديثة مجرد طقوس تمارس ممارسة عمياء، بعد أن تمكنت البشرية في تطورات لاحقة من التمييز بين مضارها ومنافعها، وعرفوا ما يترتب عليها من تعقيدات وتعطيل وجهد ضائع وعرفوا مالها من فضل في إيقاظ الانتباه والتحذير من الفخاخ التي تنصب للإرادة، وبث اليقين في إنتاج الواقعة آثارها المطلوبة وتهيئة الوسيلة لإثبات هذه الواقعة حين النزاع عليها.
*معاني الشكلية ومظاهرها
للشكلية في القانون عدة معاني، وفي نطاق الصياغة القانونية تُعرف الشكلية بأنها، الصورة الخارجية التي يظهر بها مضمون القانون.
وعلى هذا النحو قد يتخذ المضمون القانوني شكل قاعدة قانونية أو معيار قانوني أو مبدأ قانوني.
وقد يراد بالشكلية عنصر خارجي يشترط القانون إضافته إلى واقعة قانونية حتى تنتج آثارها سواء كان هذا الأثر ترتيب التزام أو واجب قانوني أو انشاء حق أو مركز قانوني أو تعديله أو انقضاؤه، كاشتراط نشر القانون في الجريدة الرسمية لنفاذه في مواجهة الكافة، واشتراط الشكلية في بعض العقود لصحتها. واشتراط الكتابة أو النشر بالنسبة لبعض القرارات الإدارية حتى تنتج آثارها.
أما الشكلية الدستورية فيقصد بها مجموعة الإجراءات والأوضاع التي تطلبها الدستور وأوجب على سلطة التشريع اتباعها ومراعاتها وهي بصدد سن التشريع.
وتتطلب الدساتير عادة، أن تمر عملية سن التشريع بسلسلة من الإجراءات الشكلية التي يتعين على سلطة التشريع مراعاتها حتى يكون التشريع دستورياً، ويترتب على عدم مراعاة قواعد الشكل الإجراءات الشكلية أن يولد التشريع باطلا بسبب أنه معيب بعيب عدم مراعاة الشكل والإجراءات، ويكون محلاً للطعن به أمام المحكمة الدستورية والتي تعرف عادة باسم (المحكمة الدستورية العليا)، إذا ما تعلق الأمر بمخالفة جوهرية لتلك القواعد والإجراءات.
ومن أمثلة الإجراءات الشكلية التي تتطلبها الدساتير المقارنة بصفة عامة، تحقق نصاب انعقاد مجلس النواب سواء بالأغلبية المطلقة أو الأغلبية البسيطة، وجهة تقديم مشاريع القوانين أو اقتراحها، وجوب إدراج مشروع القانون في جدول الأعمال قبل مناقشته، والإجراءات الواجب اتباعها لقراءة مشاريع القوانين، والنصاب اللازم للموافقة على سن التشريع وتصديق الجهة المخولة صلاحية التصديق والإصدار، وهي السلطة التنفيذية عادة، وأن يصدر التشريع بموافقة الأغلبية البرلمانية التي حددها الدستور.
*غاية الشكلية الدستورية
تتعدد الأغراض أو الحكمة من الشكليات في المجال التشريعي، فقد يكون الغرض منها الإشهار بسلامة الارادة التشريعية وبأن كل شيء سار على مايرام حسب الأوضاع الدستورية، باعتبار أن الشكل هو المظهر المادي للتعبير عن الارادة، ومع ذلك فان لكل شكل من الأشكال المطلوبة حكمته، فحكمة اشتراط أن يقدم اقتراح القانون من قبل عدد من الأعضاء تبدو في التأكد من جدية وأهمية المقترح قبل اتخاذ سلسلة إجراءات تتطلب وقتاً ثميناً، منها إدراجه في جدول الأعمال ومن ثم التصويت عليه، وقد يتبين فيما بعد أن الاقتراح غير مرغوب فيه وما يترتب على ذلك من هدر وقت ثمين، وتبدو حكمة تقديم مشاريع القوانين من قبل السلطة التنفيذية هو أن القانون أداة هذه السلطة في علاقتها مع المجتمع ومؤسساته العامة والخاصة وهي الأعرف بالحاجة العملية إلى التشريع في مجال معين من عدمه من خلال علاقتها المباشرة مع حاجات المجتمع، وقد تبدو الشكلية مظهراً من مظاهر الرقابة المتبادلة بين السلطة التشريعية والتنفيذية، كما في وجوب تصديق وإصدار القانون من السلطة التنفيذية لنفاذه مما يتيح لها الاعتراض على مشروع القانون بعدم المصادقة عليه مما يرتب عدم إمكانية سنه ونفاذه بعد ذلك إلا بناء على أغلبية خاصة.
وحكمة ضرورة إدراج الأعمال التشريعية في جدول للأعمال قبل مناقشتها هو تجنب إتخاذ أعمال تشريعية جوهرية في غياب عدد مؤثر من الأعضاء بحيث لو كان لديهم علم مسبق بجدول الأعمال لحضروا جميعاً، فضلاً عن تمكين الأعضاء من التهيؤ لما تتطلبه هذه الأعمال من استشارة مسبقة من ذوي الاختصاص قبل اتخاذ موقف منها بالتصويت عليها من عدمه.
* التمييز بين الأشكال والإجراءات الجوهرية وغير الجوهرية
كان للفقه والقضاء عبر التاريخ الفضل في التمييز بين ما هو مفيد وجوهري من الشكليات والتمسك به وبين ما هو ضار وغير جوهري من الشكليات ومن ثم استبعادها بطريقة أو بأخرى.
ويميز الفقه والقضاء المعاصر كذلك بين الأشكال والإجراءات الجوهرية وغير الجوهرية والغرض من هذا التمييز هو ترتيب البطلان على القرارات التي تفتقد لشكلياتها الجوهرية أما القرارات التي تفتقد للشكليات غير الجوهرية فلا تكون باطلة، وفي هذه الحالة نكون في مواجهة قرارات معيبة بعيب الشكل ولكن هذا العيب لا يؤدي إلى البطلان، وقد أورد الفقه أمثلة كثيرة من قضاء مجلس الدولة الفرنسي على الشكليات التي لم يعتبرها المجلس من الشكليات الجوهرية المؤثرة على سلامة القرار، مثل الحكم بصحة انتخاب على الرغم من عدم السماح لعدد قليل من الأفراد بالتصويت على خلاف القانون إذا كان عددهم من القلة بحيث لم يكن من شأنه أن يؤثر موضوعاً على النتيجة النهائية، أو إذا كانت الأشكال والإجراءات المقررة هدفها تحقيق مصلحة الإدارة لا الأفراد، ولكن متى تكون شكليات القرار جوهرية ومتى لا تكون جوهرية
ولكن هل يسري نفس المبدأ بالنسبة للقضاء الدستوري؟
لايوجد معيار ثابت لتحديد ما هو جوهري أو غير جوهري من الأشكال، وإنما يعتمد تقدير ذلك على الذكاء والحدس والفهم الصحيح لطبيعة الأشياء ومنطقها والغايات المرجوة منها، إلا أنه مما لا شك فيه أن التشدد الزائد في مراعاة مختلف الشكليات والإجراءات على نحو واحد يؤدي بالنتيجة إلى ضياع الوقت وعرقلة النشاط التشريعي دون أن تكون هناك قيمة حقيقية مقابل ذلك لتلك الشكليات، والملاحظ أن قواعد الشكل والإجراءات المصاحبة لعملية التشريع قد يرد النص عليها في الدستور ذاته، كما أنها قد ترد في الأنظمة الداخلية للبرلمان. وذهب الفقه في ذلك إلى اتجاهين فذهب الإتجاه الأول إلى أن العيب الشكلي يمكن أن يتحقق عند مخالفة التشريع للقواعد الشكلية سواء قد وردت في الدستور أو في الانظمة الداخلية للبرلمان، بينما ذهب الاتجاه الأخر بأن عيب عدم الدستورية لمخالفة الشكل لا يتحقق إلا إذا كانت الشكلية التي خولفت قد ورد النص عليها في الدستور ذاته. فالمعول عليه في الرقابة الدستورية هو ما ورد من شكليات وإجراءات في الدستور، أما ما تضمنته النصوص القانونية الأخرى الاقل مرتبة من قواعد شكلية فان مخالفتها لا تؤدي إلى عدم دستوريته.والحال أن دستور جمهورية العراق قد تضمن أشكالا متنوعة من الإجراءات الشكلية، منها ما يتعلق بتحديد زمن معين للقيام بتصرف ما، وقد يكون بعض هذه الشكليات الزمنية جوهرية أو غير جوهرية، ونرى أن تقدير أثر عدم مراعاة الشكل على دستورية التشريع أو التصرف إنما يعود تقديره للقضاء.
والمحكمة الاتحادية العليا بطبيعة الحال لا تبحث في العيوب الموضوعية إلا بعد أن تتأكد من خلو التشريع من المخالفات الشكلية للأوضاع والإجراءات التي تطلبها الدستور، ذلك أن العيوب الشكلية تتقدم العيوب الموضوعية.
وفي هذا الصدد تقول المحكمة الاتحادية العليا في مصر في حكم لها (وحيث أن الرقابة التي تباشرها هذه المحكمة غايتها أن ترد إلي قواعدالدستور كافة النصوص التشريعية المطعون عليها وسبيلها إلى ذلك إن تفصل باحكامها النهائية في الطعون الموجهة اليها شكلية كانت أو موضوعية وأن يكون استيثاقها من استيفاء هذه النصوص لأوضاعها الشكلية أمراً سابقاً بالضرورة على خوضها في العيوب الموضوعية ذلك أن الأوضاع الشكلية للنصوص التشريعية هي من مقوماتها كقواعد قانونية لا يكتمل كيانها أصلاً في غيبة متطلباتها…. ويتعين على هذه المحكمة بالتالي أن تتحراها بلوغاً لغاية الأمر فيها إن قضاء المحكمة في هذه المخالفة والقائمة في مضمونها على طعن موضوعي يكون متضمنا على وجه القطع واللزوم تحققاً من استيفاء القرار بقانون الذي اشتمل عليها لأوضاعه الشكلية إذ لو قام لديها الدليل على تخلفها لسقط هذا القرار بقانون برمته ولامتنع الخوض في اتفاق بعض مواده أو مخالفتها لأحكام الدستور الموضوعية الأمر الذي يعتبر معه هذا الوجه من النعي على غير أساس حرياً بالالتفات عنه ).
*الشكلية في دستور جمهورية العراق لسنة 2005
تبنى المشرع الدستوري العراقي في دستور 2005 النافذ عدد من الإجراءات الشكلية منها ما يتعلق بنصاب انعقاد جلسات مجلس النواب وجهة تقديم مشاريع القوانين كما في المادة (59) بنصها (أولاً : يتحقق نصاب انعقاد جلسات مجلس النواب بحضور الأغلبية المطلقة لعدد أعضائه. ثانياً: تتخذ القرارات في جلسات مجلس النواب بالأغلبية البسيطة، بعد تحقق النصاب ما لم ينـص على خلاف ذلك) والمادة (60) بنصها ( أولاً: مشروعات القوانين تقدم من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء. ثانياً: مقترحات القوانين تقدم من عشرة من أعضاء مجلس النواب، أو من إحدى لجانه المختصة.)
ونصت المادة (138) بأنه ( خامسا: أ. ترسل القوانين والقرارات التي يسنها مجلس النواب إلى مجلس الرئاسة لغرض الموافقة عليها بالاجماع واصدارها خلال عشرة أيام من تاريخ وصولها إيه باستثناء ما ورد في المادتين (118) و(119) من هذا الدستور والمتعلقتين بتكوين الأقاليم. ب. في حالة عدم موافقة مجلس الرئاسة، تعاد القوانين والقرارات إلى مجلس النواب لإعادة النظر في النواحي المعترض عليها والتصويت عليها بالأغلبية وترسل ثانية إلى مجلس الرئاسة للموافقة عليها. ج. في حالة عدم موافقة مجلس الرئاسة على القوانين والقرارات ثانية خلال عشرة أيام من تاريخ وصولها اليه تعاد إلى مجلس النواب الذي له أن يقرها بأغلبية ثلاثة أخماس عدد أعضائه، غير قابلة للاعتراض وتعد مصادقاً عليها. سادساً: يمارس مجلس الرئاسة صلاحيات رئيس الجمهورية المنصوص عليها في هذا الدستور.)
والمادة (144) التي نصت على أنه ( يعد هذا الدستور نافذاً بعد موافقة الشعب عليه بالاستفتاء العام ونشره في الجريدة الرسمية وتشكيل الحكومة بموجبه.). وحسب المادة (126) من الدستور، فإنه ( أولاً: لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين أو لخمس (1/5) اعضاء مجلس النواب، اقتراح تعديل الدستور. ثانياً: لا يجوز تعديل المبادئ الأساسية الواردة في الباب الأول والحقوق والحريات الواردة في الباب الثاني من الدستور، إلا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين، وبناء على موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام. ثالثاً: لايجوز تعديل المواد الأخرى غير المنصوص عليها في البند (ثانياً) من هذه المادة إلا بعد موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام. رابعاً: لا يجوز اجراء اي تعديل على مواد الدستور من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الأقاليم التي لا تكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني وموافقة أغلبية سكانه باستفتاء عام. خامساً : أ ـ يعد التعديل مصادقا عليه من قبل رئيس الجمهورية بعد انتهاء المدة المنصوص عليها في البند (ثانياً) و ( ثالثاً) من هذه المادة في حالة عدم تصديقه. ب ـ يعد التعديل نافذاً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.)
وجاء في المادة (142) من الدستور على أنه (رابعاً ـ يكون الاستفتاء على المواد المعدلة ناجحاً بموافقة أغلبية المصوتين، وإذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر. هـ ـ يستثنى ما ورد من هذه المادة من أحكام المادة (126) المتعلقة بتعديل الدستور، إلى حين الانتهاء من البت في التعديلات المنصوص عليها في هذه المادة. )
ونصت المادة (131) من الدستور على انه ( كل استفتاء وارد في هذا الدستور يكون ناجحا بموافقة اغلبية المصوتين مالم ينص على خلاف ذلك.)
يتضح من النصوص المتقدمة أن المشرع الدستوري العراقي قد وضع قيود شكلية متشددة على مسألة تعديل الدستور مراعياً بذلك ما أخذت به دساتير الدول الديمقراطية وضماناً لحقوق الشعب من تحكم الأغلبية البرلمانية في أي وقت من الأوقات ومحاولة تعديلها للدستور وفقا للمصالح السياسية الآنية. (2009)