يعاني البيتُ الكرديُّ العراقي من أزماتٍ سياسية داخلية، في ظلِّ تكالب القوى العالمية المتصارِعة على بسط النفوذ في الشرق الأوسط، وتأسيس أنظمة حكم مُونارْشِيَّة، تهدّد وجودَه وكيانَه السياسي المتمثّل بإقليم كوردستان العراق. 

وتُعتبَرُ أزمةُ الخلافِ السياسي المُزمِنِ بين الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني من أشدِّ الأزماتِ السياسية في إقليم كوردستان، والتي ستُلقي بظلالِها على طبيعة نظام الحكم الجديد في العراق، ومصير النظام الفيدرالي العراقي.

ويبدو أنّ الحزب الديمقراطي الكوردستاني قد استنفدَ كافةَ مساعيه ووسائله للتفاهم مع الأحزاب الكوردستانية بهدف تفعيل البرلمان، وتشكيل الحكومة، فاضطر إلى الدعوة لعقد جلسة البرلمان الأولى، بعد سنتين من الانتخابات، للبدأ بالإجراءات والمراسيم الدستورية المتعلِّقة ببرلمان وحكومة إقليم كوردستان.

وبغضِّ النظرِ عمّن كان السببَ في إيقافِ عمل البرلمان وإعاقةِ الإجراءات الدستورية، إذ إنّ كافة الأحزاب الكوردستانية شريكة، وبنسبٍ متفاوتة، في تحمّل وزر هذه الإعاقة والتأخير، فإنّ مبادرةَ الحزب الديمقراطي الكوردستاني جاءت تحت وطأةِ الضغوط الجيوسياسية الجاثمة على كاهل منطقة الشرق الأوسط، ومساعي بريطانيا وأمريكا لتأسيس نظامٍ مونارشي مركزي في العراق، مما يُعَدُّ تهديدًا، بصيغةٍ أو بأخرى، للنظام الفيدرالي، وكيان الإقليم فيه.

إنّ عدمَ تفعيلِ البرلمان، واستمرارَ حكومةِ تصريف الأعمال، يُغري بعضَ الجهات المحلية والإقليمة والعالمية ليتعاملَ مع الكرد باستخفافٍ، ويتجاهلَ مصالحَه، ويحطّمَ إنجازاتِه، الأمرُ الذي دفعَ كافّةَ الأحزاب الكوردستانية إلى إجراء الكثير من المُشاورات السياسية، لِتَفادي الإنسدادِ السياسي، لكنّ هذه المشاورات لم تؤدِّ إلى برلمانٍ فاعلٍ وحكومةٍ مُنبثِقَةٍ عنه، لأسباب تتعلّق بعناد الأطراف، وحساباتها الحزبية، والصراع على المناصب، وقلّة الوعي بما يجري في منطقة الشرق الأوسط، ومخطّطات القوى الإقليمية.

إنّ تفعيلَ البرلمان سيتمخّضُ عنه تشكيلُ حكومة مُنتخَبة جديدة، وليس أمام الأحزاب الأخرى المُقاطِعَةِ لجلسة البرلمان إلا حضورَ جلسات البرلمان، والمشاركةَ في الحكومة، أو ممارسةَ أنشطتِها كمعارَضة سياسية، داخل البرلمان، أو خارجه، وهو الخيار الأفضل. 

أما مَن يعتقدُ أنّ الاتحادَ الوطني الكردستاني وحراكَ الجيل الجديد، سيشكِّلان إدارةً مستقِلّة في منطقة السليمانية، فهذا وهمٌ، وأحلامُ يقظة، لأنّ هذا الإجراءَ لا يمكنُ تنفيذُه فعليًّا وواقعيًّا، لأسباب تتعلّق بالدستور والقانون، إلّا أنّهما يستطيعان عرقلةَ تنفيذِ بعض إجراءات حكومة الإقليم في مناطق نفوذهما، وسيتحمَّلان عبئَ هذه التصرفات، إنْ قاما بممارستِها.