شفق نيوز- بغداد 

على مدى عقود، ما زالت عائلات كوردية فيلية تبحث عن إجابة واحدة لم تصلها حتى اليوم “ما مصير أبنائنا المغيبين؟”.

مع عمليات التهجير وإسقاط الجنسية والاعتقال التي طالت الكورد الفيليين، اختفى آلاف الشبان، وبينما اغلقت بعض الملفات على الورق، بقيت أخرى معلقة بانتظار دليل يثبت مصير أصحابها أو يقود إلى رفاتهم.  

في اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، يعود الملف إلى الواجهة، وسط مطالبات بكشف الحقيقة وإنصاف عائلات لا تزال تنتظر منذ عقود معرفة أين دفن أبناؤها.

ويقول النائب عن الكورد الفيليين حيدر أبو تارة، لوكالة شفق نيوز، إن شريحة الكورد الفيليين، ولا سيما عائلات المغيبين قسريا، لم تحصل حتى الآن على الإنصاف الكامل، مشيرا إلى استمرار معاناة العائلات في إثبات مصير ذويها.

وأضاف أن مناشدة وصلت إليه اليوم من امرأة تراجع بمعاملة شقيقها المغيب، وطلب منها تقديم جثمانه أو أي دليل يثبت وفاته، مبينا أن “العائلة لم تجد حتى الآن ما يثبت مصيره، حتى قطعة من جثته لم نجدها”، بحسب تعبيره.

وحمل أبو تارة الحكومة الحالية وجميع الحكومات السابقة مسؤولية ما وصفه بـ”عدم الجدية” في البحث عن رفات المغيبين والكشف عن مصيرهم، مؤكدا أن مرور السنوات لم ينه معاناة عائلاتهم، التي ما زالت تنتظر معرفة مصير أبنائها وتسلم رفاتهم.

من جانبه، يبين مدير عام الدائرة القانونية طارق المندلاوي، لوكالة شفق نيوز، أن ملف المغيبين من الكورد الفيليين لا يزال من الملفات التي لم تحسم حتى الآن، مشيرًا إلى أن أكثر من 22 ألف شاب من الكورد الفيليين تم تغييبهم من قبل النظام السابق، ولا نزال لا نعرف مصير هؤلاء الشباب.

وأوضح أن غالبية هؤلاء كانوا من طلبة الجامعات، بعد أن تعرضت عائلاتهم للتهجير القسري إلى إيران، ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة وإسقاط الجنسية العراقية عنهم.   

وأضاف أن النظام السابق عمد إلى تغييب واحتجاز شباب تتراوح أعمارهم بين 16 و35 عامًا في عدد من السجون والمعتقلات، بينها سجن أبو غريب، مبينًا أن وثائق عثر عليها في هيئة التقاعد الوطنية تشير إلى تسجيل عدد من هؤلاء على أنهم متطوعون في جبهات القتال وقتلوا.

وأشار المندلاوي إلى أن بعض الوثائق والشهادات التي اطلع عليها تتحدث عن إخضاع عدد من المغيبين لتجارب كيميائية قبل قتلهم ودفنهم في مقابر جماعية في منطقة السماوة، مؤكداً “أنا شاهد حي على ذلك”.

وطالب المندلاوي الجهات الحكومية المعنية بمواصلة البحث والتحري عن مصير المغيبين ورفاتهم، والكشف عن الحقيقة أمام عائلاتهم، مؤكدا أن مرور عقود على عمليات التغييب لا ينبغي أن يحول دون معرفة مصير الضحايا.

إلى ذلك، يوضح الخبير القانوني نور الدين مهدي، أن عدم وجود قانون خاص بالاختفاء القسري في العراق حتى الآن يعود إلى جملة من الأسباب، أبرزها التأخر التشريعي في معالجة هذا الملف، رغم أن العراق مر بمراحل طويلة شهدت حالات واسعة من الاختفاء القسري.

ويشير إلى أن “معالجة هذه القضايا جاءت متفرقة ضمن قوانين وقرارات مختلفة، من دون وجود تشريع موحد يعرّف جريمة الاختفاء القسري ويحدد مسؤولية الجهات المعنية وآليات البحث عن المفقودين والتعرف على رفاتهم وإنصاف عائلاتهم”.

ويضيف أن تشريع قانون خاص لا يتعلق فقط بمعاقبة مرتكبي الجريمة، بل يمثل اطاراً قانونياً لتنظيم ملف المفقودين، من خلال إنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتحديد إجراءات البحث والتحقيق، وتنظيم فحوصات الـDNA، وضمان حق العائلات في معرفة مصير ذويها والحصول على الرفات والتعويض وجبر الضرر.

ويؤكد أن استمرار غياب هذا التشريع يترك جانباً من معاناة عائلات المغيبين، ومن بينهم الكورد الفيليون، من دون معالجة قانونية متكاملة، خصوصًا أن مرور السنوات لا يلغي حق العائلة في معرفة الحقيقة ومصير المفقود.

فيما تؤكد المواطنة الكوردية الفيلية صباح الفيلي، لوكالة شفق نيوز: في ذكرى التغييب القسري للكورد الفيليين في 30 آب، فإن 22 ألف شاب من الكورد الفيليين غُيّبوا، ونستذكر أرواحا وأحلاما وإعماراً سرقت ظلماً، وغاب أصحابها دون أن نعرف مصيرهم.

وأضافت أن “المغيبين لم يكونوا مجرد أرقام في سجل المفقودين، بل كانوا ابناء وأباء وأخوة وأحبة، تركوا خلفهم عائلات ما زالت تنتظر خبراً وقلوباً لم تتوقف عن السؤال: أين هم؟.

وتابعت الفيلي: أنا كوردية فيلية، وأحمل هذه الذكرى في هويتي وذاكرتي. لن ننسى من غيبوا، ولن تنتهي حكايتهم ما دامت هناك ذاكرة تحفظ أسماءهم وتطالب بالحقيقة والعدالة.