هيئة المرشدين الصحيين (دهستهی ڕێبهرانی تهندروستی) – 1974
فؤاد روند
مع بدء جولة أخرى من القتال في ربيع 1974، بين جيش ثوار كوردستان بقيادة الملا مصطفى البارزاني(1903- 1979) وجيش الجمهورية العراقية برئاسة أحمد حسن البكر (1914- 1982)، كانت الطائرات الحربية التابعة للقوة الجوية العراقية، بمساعدة المئات من خبراء و طیارین حلف وارشو والاتحاد السوفيتي خصوصا، تقصف بشكل مكثف معظم المدن والقرى في المناطق المحررة من قبل ثورة ايلول، ولم تستثن أي شيء من عملياتها، وانا كنت شاهدا على مقتل جمع من الناس المدنيين الابرياء في مجزرة جسر كلالة وجومان.
وغدت قصبة جومان في البداية ملاذا لتجمع النازحين من قضاء رواندوز ومحيطها، لانها كانت تتعرض للقصف من قبل مدفعية القوات البرية العراقية.
وانا كنت حينها اعد نفسي مسؤولا في اتحاد طلبة كوردستان في جومان وكانت مساعدة هؤلاء النازحين جزءا من مهامي، حتى اني كنت احث والدتي على منح جزء من مؤن العائلة لهؤلاء النازحين، وكنا نعيش في بيتنا الذي يضم ثلاث غرف، وكانت تسكن زوجة احد افراد البيشمركة من كركوك، وعائلة من رواندز.
ومن بين طلبة جومان أخذت في جمع كتب المناهج المدرسية، اذ لم تتح الفرصة لمعظم النازحين من رواندز لجلب مستلزمات الحياة الاساسية والمدرسية لابنائهم معهم، وكانت الكتب التي تم جمعها مخصصة لهم.
ولكن بعد عدة اسابيع، اضطررنا نحن اهالي جومان تحت وطأة القصف المكثف، للنزوح في البداية الى القرى المحيطة بمنطقة حاج عمران، ومن ثم الهجرة نحو المملكة الايرانية.
في جومان كنت انا مسؤول لجنة تنظيمات جومان في اتحاد طلبة كوردستان. ومن بين الطلبة كان ينظر الي كشخصية ثقافية ونشطة. وتم اسكاننا في مخيم لاجئي زيوه في منطقة مركور القريبة من مدينة اروميه، وحينها تملكني شعور بالمسؤولية مرة اخرى.
وسكن قسم من اعضاء تنظيمات جومان في زيوه ايضا، وهذا ما سهل في اتخاذ القرارات والعمل، ولا سيما بفضل الدعم والمساندة من طالبين هما عباس نوري فيلي و عزالدين عبدالعزيز ناوبركيي. فهذان الطالبان كانا يساندان اي قرار اتخذه بكل ما أوتيا من قوة.
كان المخيم متكونا من أربعة قطاعات، وتم اسكاننا في القطاع الاول، وكان الجنود الايرانيون قد نصبوا مسبقا اربعمائة خيمة عسكرية صغيرة وقديمة. ومع تدفق امواج نازحي الحرب تنصلوا من تلك المهمة. واكتفوا بوضع مستلزمات الخيم بشكل مرتب. وقال لنا جندي كرمانشاهي صديق يدعى فرهاد: انا اعلمكم كيفية نصب الخيم.
كان معظم اللاجئين من عوائل البيشمركة، وكان بينهم عدد قليل من الرجال. والنساء لم يقوموا بنصب مثل هذه الخيم في حياتهم ابدا، وحاول عدد من النساء الفاضلات من منطقة بالكايتي بناء الصرائف، ولكن كان ممنوعا علينا الخروج من المخيم، وكان العثور على جذوع الاشجار واغصانها امرا بالغ الصعوبة، اذ كانوا يعاملوننا مثلما يعاملون الجنود الأسرى.
وانطلاقا من واجبي في اتحاد طلبة كوردستان(كنت قد شاهدت سابقا المخيمات الصيفية في قرية ناوبردان)، في البداية قمت بجمع عدد من الطلبة، في اجتماعنا الاول قررنا تأسيس هيئة المرشدين الصحيين، وكانت مهامنا تتلخص في الآتي:
1-نصب الخيم للوافدين الجدد الى زيوة.
2-تنظيف محيط الخيم من النفايات والانقاض
3-تصليح صنابير المياه (الصنابير كانت تتعطل بسرعة، ويتم تصليحها بجهود السيد عزيز علي فيلي وهو شقيق القيادي في الحزب الديمقراطي عبدالحسين علي علوش المعروف بـ”عبدالحسين فيلي (1932- 2015)، وكان السيد عزيز فيلي خبيرا في تصليح السيارات (فيتر) والبرادة والحدادة).
4-كنا نتحول الى حراس في الليل، حتى كنا نحدد كلمة سر الليل.
5-انتخاب المشرفين على توزيع المؤن(كانت بعض الاغذية تؤمن من قبل منظمة السيف والشمس الاحمر الايرانية) فكان كل مشرف مسؤولا عن 20 مخيما.
6-تدوين اسماء الطلبة للالتحاق بالمدارس.
في الحقيقة لم يكن اسم هيئتنا متطابقا مع المهمات التي نؤديها، ولكن هذا ما كان يتوقع من مجموعة من المراهقين والشباب، والجدير بالذكر، ان الوضع الصحي في مخيم زيوه مترديا، فكانت العوائل تعاني من شح المياه النظيفة، وبعد تنصيب قائممقام زيوه بقليل انتشر مرض اليرقان (الصفار) ومرض الديزانتري بين اللاجئين وكنت شخصيا احد المصابين. وهنا يبرز السؤال، اذا لم نهتم نحن بهذه الامور في ذلك الوقت، ما الذي كان سيحصل؟
استمرت هذه المهمة لمدة شهرين الى ان تم تعيين قائممقام والهيئة الادارية لمخيم زيوه من قبل المكتب التنفيذي لثورة ايلول، ومن بينها المدارس والمستشفى والحراس المحليين. ومع تسنم القائممقام. قام السيد آزاد محمد علي اغا الرواندزي المعروف بـ”ازاد جندياني” بتشكيل لجنة محلیة زيوة لاتحاد طلبة كوردستان، اصبحت انا عضوا فیها ومسؤولا عن مدرسة متوسطة زمناكو.
جدير بالذكر، ان السيد آزاد جندياني، عندما شاهد نشاطنا في هيئة المرشدين الصحيين كان يكتفي بتقديم النصائح والارشادات لنا، ولم يتدخل قط في شؤوننا، على الرغم من انه من الناحية التنظيمية كان مسؤولا عن معظمنا، الا انه لي بمثابة الاخ الاكبر (حتى السنوات الاخيرة، عندما عمل كل منا في تنظيم سياسي مختلف بقي هذا الود والاحترام بيننا كما كان في السابق). ومن ناحية الخبرة كان يتفوق علينا وكان له شقيقان يساعدننا بكل قوة.
ومن المناسب ان نذكر بأننا كنا في معظم الامسيات نجتمع عند السيد آزاد جندياني وكان يبث فينا العزم بكلماته، حتى انه في كثير من الاحيان كنا نتناول غداءنا على مائدتهم، وكان هو بنفسه، يقول لنا يتوجب على الحراس الليليين ان يتفقوا على كلمة سر الليل، ويتوجب ان نجتمع كل مساء وندون قائمة الحراس ونحدد كلمة سر الليل وساعات خفارة كل حارس. وكان اول كلمة لسر الليل “هندرين” وكان من اقترحه هو السيد آزاد جندياني، حتى اني قبل زواجي كنت اخترت اسم هندرين لأول اولادي الذكور ولم یتم هذا الانتخاب الاسباب اخری.
وارى من الضروري ان اذكر للقارئ الكريم اسماء بعض مؤسسي الهيئة: فؤاد روند كاتب هذه السطور، كمؤسس ومسؤول هيئة المرشدين الصحيين، وكان هؤلاء هم اعضاء الهيئة:
1-عباس نوري الفيلي 2-عزالدين ملا عزيز ناوباركه (الشخصية المعروفة والمثقف في منطقة بالكايتي، ويعيش الان في جومان) 3-المرحوم بشتيوان عبدالوهاب اغا رواندزي(1957-2018)، (والد الاخ بشتيوان من مؤسسي الحزب الديمقراطي الكوردي-العراق عام 1946 في مدينة مهاباد)4- فيلي عبدالوهاب اغا رواندزي (صاحب مطبعة هيفي في مدينة اربيل والبيشمركة السابق ، والد السيد فيلي كان من مؤسسي الحزب الديمقراطي الكوردي- العراق عام 1946 في مدينة مهاباد)، 5-السيدة فاطمة جار الله الفيلي (من اهالي الكوت وهي شقيقة الاستاذ والاعلامي اسماعيل جار الله الفيلي)، 6- الشهيد فرهاد احمد بوره (1958-2004) (المحامي والرياضي وكان من اهالي قضاء رواندز ، استشهد في فاجعة الاول من شباط 2004 في مقر لجنة الفرع الثاني اربيل للحزب الديمقراطي الكوردستاني على يد تنظيم القاعدة الارهابي) 7- الشهيد جمال جلال (من اهالي خانقين وتم تغييبه من قبل جهاز السافاك عام 1977 في عهد محمد رضا شاه بسبب نشاطاته السياسية)، 8- الشهيد صلاح حسن الفيلي (ترك الدراسة والتحق بصفوف البيشمركة واستشهد في جبهة رواندز ودفن في مقبرة حاج عمران)، 9- السيدة شكرية نوري الفيلي(عقيلة الشهيد احمد باراني، كان الشهید من اهالي مندلي وكان بيشمركة صنف المخابرة، دفن ايضا في مقبرة حاج عمران) 10- ابراهيم خليل (متقاعد حاليا ويعيش في اربيل) 11- طلعت محمد يابه (من اهالي اربيل) 12- عبدالمنعم الفيلي (كان معنا لبضعة ايام، فترك الدراسة واصبح بيشمركة) 13- صلاح محمد امين زندي.
في الحقيقة كنا اكثر من هذا العدد اعلاه، ولكن بعد مرور 52 سنة على تأسيس هيئة المرشدين الصحيين، لا تسعفني الذاكرة في هذا المجال. وتجدر الاشارة الى ان هذا جزء يسير من نشاطاتنا نحن اللاجئين في مخيم زيوه خلال عامي 1974-1975 في ايران في زمن الشاه. في الحقيقة كان هناك اناس اخرون لهم مشاركات في مخيم زيوه من خلال تأسيس فريق كرة القدم وفرقة الموسيقى والنشيد، والمكتبة ودروس التدريب الموسيقي.
ترجمة: وكالة شفق نيوز
