شفق نيوز- بغداد   

نحو 6 ملايين متر مكعب من المياه الآسنة تُطرح يومياً بصورة مباشرة في نهري دجلة والفرات، وفق عضو لجنة الصحة النيابية غيث شبع، في وقت تكشف فيه فحوص ميدانية ورقابية عن ارتفاع مستويات التلوث في مصادر المياه ومحطات الإسالة، ما يجعل أجزاء من المياه غير صالحة للاستخدام البشري، بحسب خبراء في التلوث والبيئة.

وتأتي هذه التحذيرات وسط سلسلة من التقارير والوقائع التي وثقت خلال عام 2026 تصاعد أزمة تلوث المياه في العراق، من بينها تصريف مياه الصرف الصحي والمخلفات الطبية والصناعية إلى الأنهار، وتعطل محطات الرصد والتصفية وتقادم البنى التحتية، في وقت تتراجع فيه مناسيب المياه بفعل الجفاف والتغير المناخي.

6 ملايين متر مكعب

ويقول شبع لوكالة شفق نيوز، إن اللجنة تمتلك بيانات رسمية من الدوائر الحكومية المعنية، وإن نتائج العينات المأخوذة من مياه الإسالة التي يفترض أن تكون صالحة للشرب تظهر مستويات مرتفعة جداً من التلوث.

ويضيف أن نسب الفشل في الفحوص، وفق أحدث البيانات التي اطلعت عليها اللجنة، بلغت 100% في ميسان، و99% في المثنى، و97% في البصرة، معتبراً أن هذه النتائج تستوجب تدخلاً حكومياً عاجلاً.

ويوضح النائب أن نحو 6 ملايين متر مكعب من المياه الآسنة تُطرح يومياً في دجلة والفرات، لتختلط بمياه الأنهار، مشيراً إلى أن محطات معالجة مياه الشرب ليست مهيأة للتعامل مع هذا المزيج من مياه الصرف الصحي والمخلفات الطبية والصناعية ومخلفات محطات توليد الكهرباء ومصافي النفط، بما تحمله من مواد كيميائية وملوثات جرثومية.

ويؤكد أن لجنة الصحة قدمت الأسبوع الماضي ملفاً متكاملاً إلى مجلس النواب يتضمن مواقع التلوث وأسبابه وطرق المعالجة والتوصيات، وإن المجلس وافق على عقد جلسة خاصة لاستضافة وزراء الصحة والموارد المائية والنفط والإعمار والإسكان والبيئة، متوقعاً عقدها مطلع الأسبوع المقبل لمناقشة الملف والخروج بتوصيات ملزمة.

تراكم الأدلة 

وتتطابق هذه المخاوف مع نتائج رقابية وميدانية ظهرت خلال الأشهر الماضية، ففي 29 نيسان/ أبريل 2026، أعلنت اللجنة النيابية المشكلة بموجب الأمر النيابي رقم 63 لرصد تلوث دجلة العثور على 24 منفذاً ومصباً ملوثاً داخل بغداد، تشمل مخلفات مديرية المجاري والمستشفيات والمصافي ومحطات الكهرباء، فضلاً عن استخدامات المواطنين.

وقال رئيس اللجنة النائب يوسف الكلابي، خلال مؤتمر صحفي تابعته وكالة شفق نيوز، في حينها، إن نهر ديالى يمثل بؤرة رئيسية للتلوث، وإن تعطل مشروع العطارية بعد عام 2003، وسرقة مضخاته، أدى إلى استمرار طرح الملوثات السائلة والصلبة في النهر، قبل انتقالها إلى دجلة عند ارتفاع مناسيب المياه.

وفي 3 حزيران/ يونيو 2026، وثقت وكالة شفق نيوز، ميدانياً، أنابيب تصريف مياه الصرف الصحي وهي تصب مباشرة في دجلة عند منطقة جسر الأحرار وسط بغداد، وأشارت المتابعة إلى وجود أكثر من عشرة منافذ مشابهة على ضفاف النهر داخل العاصمة، ولا سيما بين باب المعظم والكرادة.

وفي 23 آب/ أغسطس 2026، كشف مرصد “العراق الأخضر” البيئي عن وجود نحو 500 مصدر تلوث دائم على امتداد دجلة، بينها 23 بؤرة حادة داخل بغداد، تتضمن مصبات للصرف الصحي والمخلفات الطبية.

وقال المرصد في بيان إن نهر ديالى يمثل أحد أكبر مسارات انتقال الملوثات إلى دجلة، محذراً من وجود مركبات كيميائية مثل ثنائي الفينيل متعدد الكلور والفثالات (DEHP)، وهي ملوثات يصعب التخلص منها بالمعالجة التقليدية.

تلوث متعدد المصادر

وفي هذا السياق، تقول خبيرة التلوث البيئي إقبال لطيف جابر إن نتائج العينات التي جمعتها من عدة أنهار ومناطق تشير إلى وجود تلوث كيميائي وجرثومي وإشعاعي في عدد من المواقع.

وتوضح جابر لوكالة شفق نيوز، أن عينات أخذتها من نهر الوند والتربة في قرية حسن قولاي بقضاء خانقين في محافظة ديالى أظهرت ارتفاع مستويات الزئبق والحديد والرصاص والزنك والنحاس والنيكل والكادميوم والكروم عن الحدود المسموح بها دولياً، مشيرة بصورة خاصة إلى خطورة وجود الزئبق.

وتضيف أنها رصدت، باستخدام جهاز لقياس الإشعاع، مؤشرات على تلوث إشعاعي في نهر بلدروز، فيما أظهرت عينات من نهر خريسان، مقابل مستشفى البتول ومستشفى عزل كورونا، ارتفاعاً في عدد من العناصر الثقيلة عن الحدود الدولية والمواصفات العراقية القياسية لمياه الأنهار.

وبحسب جابر، فإن ارتفاع النترات وانخفاض الفوسفات في مياه خريسان يشيران إلى وجود نشاط بيولوجي بشري ومواد عضوية مرتبطة بمياه الصرف الصحي القادمة من مرافق صحية، مشيرة إلى رصد النحاس والكادميوم والرصاص والزئبق أيضاً.

وتحذر من أن المعادن الثقيلة السامة يمكن أن تنتقل إلى مياه الري، ثم تمتصها النباتات عبر الجذور وتدخل السلسلة الغذائية، بما يجعل آثار التلوث ممتدة من المياه إلى الغذاء والصحة العامة.

وتؤكد أن مصادر الملوثات لا تقتصر على بغداد، إذ إن مياه دجلة وديالى التي تصل إلى العاصمة تحمل معها ملوثات من مناطق أخرى، مشيرة إلى تلوث مواقع أخرى مثل سعدية الشط في محافظة صلاح الدين، وإلى وجود منفذ سومر في ديالى تدخل عبره مياه ملوثة.

وترى جابر أن تراكم التلوث منذ عام 2003 يرتبط بالأنشطة الصناعية والزراعية والعسكرية، فضلاً عن ضعف الرقابة البيئية، معتبرة أن الوضع الحالي في دجلة والفرات وصل إلى مرحلة تهدد صلاحية المياه للاستخدام البشري.

أزمة مياه متكاملة

وفي البصرة أقصى جنوب البلاد، كشفت تقارير رقابية خلال أواخر آب/ أغسطس الماضي عن مشكلة أخرى تتعلق بمياه الشرب نفسها، فقد نقل مرصد “العراق الأخضر” عن تقرير لديوان الرقابة المالية أن مياه المحافظة خلال الفترة 2021-2024 لم تكن مطابقة للمواصفة العراقية لمياه الشرب رقم 417 بسبب ارتفاع الأملاح الذائبة الكلية (TDS)، فيما أظهرت عينات مأخوذة من منازل المواطنين وجود تلوث جرثومي في بعضها.

وأشار التقرير الذي نشرته وكالة شفق نيوز، في حينها، إلى افتقار أغلب مشاريع ومحطات تصفية المياه في البصرة إلى مختبرات متكاملة للفحوص الفيزيائية والكيميائية والبكتريولوجية، ما يضعف قدرة الجهات المختصة على المراقبة المستمرة.

كما كشف المرصد في بيان، الأربعاء الماضي، عن انتهاء العمر التصميمي لأغلب مشاريع تصفية المياه في العراق، مع تجاوز العمر التشغيلي للعديد منها 25 عاماً، ولا سيما في بابل وواسط والأنبار وصلاح الدين.

وسجلت الفحوص أعلى نسب للفشل في المثنى بنسبة 49% وميسان بنسبة 41%، بحسب البيانات التي أوردها المرصد نقلاً عن ديوان الرقابة المالية.

وفي 25 تموز/ يوليو 2026، أظهرت بيانات الأمم المتحدة للمياه ومنصة Our World in Data أن نحو 60% من سكان العراق يحصلون على خدمات مياه شرب مُدارة بشكل آمن، وهي خدمات تتطلب أن يكون المصدر محسناً، والمياه متاحة عند الحاجة، وخالية من التلوث وفق تعريفات الهدف السادس للتنمية المستدامة.

لكن فجوة البنية التحتية لا تقف عند محطات الإسالة، ففي 2 حزيران/ يونيو 2026، قال مرصد “العراق الأخضر” في بيان إن نحو 5 ملايين متر مكعب من مياه الصرف الصحي تُطرح يومياً في مصادر المياه العراقية من دون معالجة كافية، محذراً من المعادن الثقيلة والمواد عالية السمية وتأثيراتها على صحة السكان.

الحلول والرقابة

وفي هذا الجانب، يقول خبير الاستراتيجيات والسياسات المائية وتغير المناخ رمضان حمزة إن تلوث مياه الشرب لم يعد مشكلة بيئية منفصلة، بل أصبح قضية ترتبط مباشرة بالصحة العامة والأمن المائي.

ويعزو حمزة خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، الأزمة إلى انخفاض مناسيب وتصريفات الأنهار، وتصريف مياه الصرف الصحي والصناعي غير المعالجة، والمخلفات الزراعية، فضلاً عن تدهور شبكات مياه الشرب واحتمال حدوث تلوث ثانوي داخلها.

ويحذر من أن المخلفات الطبية قد تحمل مسببات مرضية وبقايا أدوية ومضادات حيوية، فيما تحتوي المخلفات الصناعية على معادن ثقيلة ومواد كيميائية يمكن أن تتراكم في البيئة والسلسلة الغذائية وتترك آثاراً طويلة الأمد.

ويضيف أن التلوث الميكروبي والكيميائي وارتفاع الملوحة يرفع المخاطر الصحية، خصوصاً في المناطق التي تعاني من ضعف خدمات المياه والصرف الصحي.

ويرى حمزة أن العراق يمتلك حلولاً فنية لمعالجة المشكلة، لكن التحدي الأساسي يتمثل في التنفيذ والرقابة والاستدامة، داعياً إلى الانتقال من معالجة التلوث بعد وقوعه إلى منع مصادره، عبر حماية الأنهار، وتوسيع مشاريع معالجة مياه الصرف الصحي، وتأهيل شبكات مياه الشرب، وإجراء فحوص مستمرة لنوعية المياه من المصدر حتى وصولها إلى المستهلك.

كما يدعو في الختام إلى تطبيق مبدأ “الملوِّث يدفع” وفرض غرامات وعقوبات رادعة على الأفراد والمؤسسات والأنشطة الصناعية والزراعية التي تتسبب بتلوث مصادر المياه، بالتوازي مع تعزيز الوعي البيئي والتنسيق بين وزارات الموارد المائية والبيئة والصحة والإدارات المحلية.