في المجتمعات التي تعاني من الفساد، لا تكون المعركة دائماً بين الفاسد والقانون، بل قد تتحول في بعض الأحيان إلى معركة بين من يكشف الخلل ومن يريد إبقاءه بعيداً عن الضوء. والأخطر أن يتحول صاحب الصوت الرقابي إلى متهم، بينما يصبح السؤال عن المال العام والمشاريع المتوقفة والملوثات البيئية وكأنه جريمة.

الفساد لا يبدأ من سرقة المال فقط

الفساد ليس فقط اختلاس الأموال أو الرشوة. قد يكون في مشروع يُحال ولا يُنجز، أو طريق يُدفع ثمنه ولا يُنفذ، أو محطة معالجة تتوقف، أو ملف بيئي يُهمل رغم تأثيره في صحة المواطنين.

وتكشف بيانات منشورة عن العراق أن عدد المشاريع المتلكئة خلال السنوات 2018–2023 بلغ 5,345 مشروعاً، بقيمة إجمالية تقارب 33.27 تريليون دينار عراقي وفق بيانات منسوبة إلى هيئة النزاهة.

هذه الأرقام لا تعني أن كل مشروع متلكئ هو بالضرورة حالة فساد، لكنها تعني أن هناك حجماً هائلاً من المال العام والمشاريع التي تحتاج إلى رقابة ومساءلة ومعرفة أسباب التعثر.

العراق ما زال أمام تحدٍ كبير في مكافحة الفساد

وفق مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، حصل العراق على 28 نقطة من 100 وجاء في المرتبة 136 من أصل 182 دولة، رغم تحسن نقطتين عن العام السابق.

والرقم هنا ليس مجرد ترتيب دولي؛ فهو رسالة بأن مكافحة الفساد تحتاج إلى مؤسسات أقوى، ورقابة أكثر فاعلية، وبيئة تسمح للمواطن والصحفي والموظف والنائب بأن يسألوا دون خوف.

ولكن ماذا يحدث لمن يسأل؟

هنا تكمن المشكلة الأخطر.

بدلاً من أن يكون السؤال:

من المسؤول عن المشروع المتوقف؟

يصبح السؤال:

لماذا تتحدثين عن هذا الملف؟ ومن يقف خلفك؟ ولماذا تسيئين إلى سمعة المحافظة؟

وبدلاً من التحقيق في أسباب تلوث منطقة ما، يبدأ البعض بمهاجمة الشخص الذي تحدث عن التلوث.

وبدلاً من التدقيق في عقد أو مشروع، تتحول القضية إلى حملة على من كشفها.

وهكذا تنتقل المعركة من مكافحة الفساد إلى إسكات من يتحدث عنه.

وفي العراق، رصدت الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحفيين 85 انتهاكاً بحق الصحفيين والمؤسسات الإعلامية خلال عام 2025، مشيرة إلى استخدام التهديد واللجوء إلى الشكاوى القانونية في قضايا من بينها نشر تقارير عن شبهات فساد.  كما أشار تقرير حقوقي آخر إلى توثيق 182 انتهاكاً للحريات الصحفية خلال العام نفسه.

لماذا يحارب المجتمع أحياناً من يكشف الفساد؟

لأن الفساد عندما يطول أمده لا يبقى مجرد ممارسة فردية، بل يمكن أن يصنع حوله شبكة من المصالح والمستفيدين والمدافعين عنه.

وقد يكون بعض المدافعين عن الفاسد مستفيداً بصورة مباشرة، لكن هناك فئة أخرى تدافع عنه بسبب الانتماء السياسي أو المناطقي أو الحزبي، فتتعامل مع كشف الفساد وكأنه إساءة إلى جماعتها.

وهنا تحدث أخطر عملية:

يصبح الفاسد “ابن المنطقة”، ويصبح من يكشف فساده “عدواً للمنطقة”.

وهذا منطق خطير؛ لأن المحافظة لا تُحمى بالتستر على الأخطاء، وإنما بحماية المال العام وحقوق أهلها.

وماذا عن التلوث الذي يقتل ببطء؟

هناك ملفات لا يجوز التعامل معها باعتبارها خلافاً سياسياً.

عندما تكون هناك مياه ملوثة، أو انبعاثات ضارة، أو نفايات خطرة، أو مشروع بيئي متوقف، فالموضوع يتعلق مباشرة بصحة الإنسان.

وتشير بيانات هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية العراقية إلى تسجيل 11,125 حالة إصابة بالتهاب الكبد الفيروسي بأنواعه المختلفة في عام 2024 على مستوى العراق. ولا يمكن تحميل التلوث وحده مسؤولية هذه الحالات، لكن الأرقام تؤكد أهمية التعامل الجاد مع الملفات الصحية والبيئية وعدم التقليل من شأنها.

لذلك، عندما يتحدث مسؤول أو نائب أو صحفي أو مواطن عن تلوث، فالسؤال الصحيح ليس: لماذا تثيرون هذه القضية؟

بل:

هل المعلومة صحيحة؟

ما مصدر التلوث؟

من المسؤول؟

ما الإجراءات الحكومية؟

ومتى سيُعالج الضرر؟

لا تجعلوا من كشف الفساد جريمة اجتماعية

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي دولة هو أن يخاف المواطن من الفاسد أكثر مما يثق بالقانون.

والأخطر من ذلك أن يصل المجتمع إلى مرحلة يقول فيها:

“لا تتحدث، لن تستطيع تغيير شيء.”

هذه الجملة هي البيئة المثالية لاستمرار الفساد.

لأن الفساد لا يحتاج دائماً إلى من يدافع عنه؛ أحياناً يكفي أن يسود الصمت والخوف واللامبالاة.

الرقابة ليست تشهيراً

من الضروري التمييز بين اتهام شخص بالفساد دون دليل وبين ممارسة الحق في الرقابة وطرح الأسئلة.

نحن لا نطالب بإدانة أحد قبل التحقيق، ولا بتحويل الشبهات إلى أحكام قضائية.

لكننا نطالب بحق المواطن في أن يسأل:

أين ذهبت الأموال؟

لماذا توقف المشروع؟

من أحال العقد؟

من نفذ؟

لماذا لم تتم المحاسبة؟

ومن المسؤول عن الضرر الذي أصاب المواطن؟

هذه ليست إساءة.

هذه رقابة.

كلمة أخيرة

العراق لا يحتاج إلى إسكات الأصوات التي تكشف الخلل، بل يحتاج إلى حماية هذه الأصوات ضمن القانون، وتحويل المعلومات والشبهات إلى تحقيقات مؤسسية نزيهة.

فإذا كان الملف صحيحاً، فليحاسَب المسؤول عنه.

وإذا كان الاتهام غير صحيح، فليُعلن التحقيق ذلك.

أما أن نحارب من يطرح السؤال قبل أن نبحث عن الإجابة، فهذه هي المشكلة الحقيقية.

لا تجعلوا من يكشف الفساد هو المتهم، ومن يطالب بحماية المال العام هو المشكوك في نواياه.

فالأوطان لا تُبنى بالصمت عن الخطأ، ولا تُحمى بالتستر على الفساد.

والقاعدة التي يجب أن نؤمن بها هي:

من يكشف الفساد ليس عدواً للدولة؛ بل الدولة التي تحميه هي التي تحتاج إلى إصلاح.