شفق نيوز- بغداد
في صيف تتجاوز فيه درجات الحرارة الـ50 درجة مئوية في بعض مناطق العراق، لا تغيب مشاهد الحرائق عن نشرات الأخبار اليومية، سواء في الحقول الزراعية أو الأسواق الشعبية، والمستشفيات وصولا لمولدات الكهرباء الأهلية، حيث تتكرر الحوادث بوتيرة تبدو متصاعدة، مخلفة خسائر بشرية ومادية كبيرة، وسط جدل متواصل حول أسبابها الحقيقية.
وأحدث الحرائق، الذي اندلع في بناية تجارية وسكنية بمنطقة الخلاني وسط بغداد، وتمكنت فرق الدفاع المدني من إنقاذ عائلات كانت محاصرة داخل المبنى، مستخدمة سلالم هيدروليكية حديثة وصلت إلى الطابق السادس، فيما لم تسجل إصابات بشرية.
خطة شاملة
وفي هذا السياق، يقول مدير قسم العلاقات والإعلام في مديرية الدفاع المدني العامة في العراق، اللواء نؤاس صباح شاكر، إن المديرية وضعت خطة متكاملة لموسم الحصاد والصيف، تستند إلى خبرة تراكمية في التعامل مع حرائق المحاصيل الزراعية.
ويضيف شاكر لوكالة شفق نيوز، أن المديرية “استكملت كافة الإجراءات الكفيلة بحماية السلة الغذائية والمحاصيل الاستراتيجية، خصوصاً الحنطة والشعير”، عبر خطة متعددة المراحل تبدأ بالتوعية وتنتهي بالانتشار الميداني.
ويشير إلى أن الخطة شملت عقد ندوات مع الفلاحين بالتنسيق مع وزارة الزراعة، وتوجيههم لتوفير معدات الإطفاء وترك مسافات بين الحقول، محذراً من “حرق المخلفات الزراعية” الذي قد يؤدي إلى انتقال الشرر واندلاع حرائق واسعة.
ويقول شاكر إن العراق شهد توسعاً في المساحات المزروعة هذا العام، إذ بلغت نحو 4.5 مليون دونم، ما تطلب انتشاراً واسعاً لفرق الدفاع المدني.
ويتابع أن المديرية تعتمد “خطة إسناد متبادل” تقوم على نقل الفرق من المحافظات الشمالية إلى الجنوبية ثم الوسطى بحسب موسم الحصاد، حيث يبدأ من البصرة وميسان وذي قار قبل أن ينتقل إلى نينوى وكركوك والأنبار.
ويؤكد أن فرق الدفاع المدني ترافق الحاصدات خلال موسم الحصاد، لافتاً إلى أن “معظم الحرائق الزراعية تبدأ بشرارة من الحاصدات أو خطوط الكهرباء المارة فوق الحقول”.
وفي ما يتعلق بمدن العراق، يشير شاكر إلى أن المديرية نفذت خطة صيفية تتضمن حملات توعية تشمل مخاطر الكهرباء داخل المنازل والمركبات، وعدم تحميل المنظومات الكهربائية فوق طاقتها، إلى جانب مراقبة المولدات الأهلية التي غالباً ما تكون مصدر تماس كهربائي في الأزقة والأحياء السكنية.
الكهرباء سبب رئيس
وفي هذا الجانب، يرى الخبير الاقتصادي، كريم الحلو، أن تفسير الحرائق لا يمكن اختزاله بعامل واحد، لكنه يشير إلى أن “الكهرباء وسوء المواد المستخدمة في البناء والمنزل هي السبب الأبرز في العراق”.
ويقول الحلو لوكالة شفق نيوز، إن “التماس الكهربائي وضعف منظومات الحماية، إلى جانب غياب أدوات الإطفاء البسيطة في المنازل، يجعل الحرائق أكثر انتشاراً مقارنة بدول أخرى”.
ويضيف أن بعض حرائق المحاصيل الزراعية “قد تكون طبيعية بسبب الحرارة أو العواصف، فيما قد يكون بعضها الآخر متعمداً بهدف تحقيق تعويضات أو لأسباب تخريبية”.
ويحذر من أن “أي كيبل كهربائي غير معزول بشكل صحيح قد يحرق مبنى بالكامل”، مشيراً إلى أن المشكلة في العراق “تراكمية ومعقدة ويصعب حلها بسرعة”.
خسائر اقتصادية
بدوره، يذهب الخبير الاقتصادي، مصطفى الفرج، أبعد من ذلك، معتبراً أن الحرائق لم تعد مجرد حوادث طارئة، بل “عبئاً اقتصادياً مستمراً”.
ويقول الفرج لوكالة شفق نيوز، إن حرائق المحاصيل الزراعية تؤدي إلى “انخفاض الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الاستيراد، ما يضغط على العملة الصعبة ويعمّق العجز التجاري”.
ويضيف أن حرائق البنى التحتية، خصوصاً في قطاع الطاقة والمولدات، “ترفع كلفة الإنتاج وتؤثر على بيئة الاستثمار”، فيما يؤدي ضعف الوقاية إلى “استنزاف متكرر للموازنة العامة”.
ويؤكد أن الحل لا يقتصر على الإجراءات الأمنية، بل يتطلب “استثماراً في أنظمة الإنذار المبكر وتحديث الدفاع المدني”، معتبراً أن إدخال تقنيات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في التنبؤ بالحوادث وتقليل آثارها.
وخلال السنوات الماضية، شهد العراق حوادث حرائق واسعة النطاق، أبرزها في مستشفيات ومراكز صحية في بغداد والناصرية عام 2021، والتي أسفرت عن عشرات القتلى، بسبب غياب أنظمة الإطفاء والإنذار.
كما امتدت الحرائق إلى حقول الحنطة والشعير، حيث تشير بيانات الدفاع المدني إلى خسائر سنوية كبيرة في هذه المحاصيل خاصة في محافظات ديالى وكركوك وصلاح الدين ونينوى.