يونيو 16, 2026

بين الحقيقة والخيال.. حكاية “البنات السبع” راسخة في ذاكرة أهالي كركوك

شفق نيوز- كركوك   

على أطراف قلعة كركوك القديمة، حيث تتداخل الجدران الطينية ‏مع آثار قرون متعاقبة من الحكم والحياة، تقف “البنات السبع” ‏كحكاية لا تزال حاضرة في ذاكرة المدينة، تتناقلها الألسن جيلاً ‏بعد جيل، بين من يراها أسطورة شعبية ومن يعتقد أنها رواية ‏تاريخية فقدت تفاصيلها مع الزمن.‏   

وتقع قلعة كركوك، أعلى مستوطن أثري فوق تل بالمدينة، ‏ويعود تاريخها إلى منتصف القرن الثاني عشر قبل الميلاد، حيث ‏بناها الملك الأشوري (اشورناصربال الثاني) بين عامي 850 ‏و884 قبل الميلاد واتخذها مقراً وحصناً له وأحد أهم مراكز ‏جيوشه.‏ 

وفي هذا المكان الذي كان يوماً مركزاً للحياة السياسية والاجتماعية ‏في كركوك، ارتبط أحد أبواب القلعة الشرقية باسم “البنات ‏السبع”، ليصبح علامة رمزية تختلط فيها الحقيقة بالخيال، ‏ويستحضرها السكان كلما ذُكرت القلعة أو تاريخها القديم.‏

وتعود القصة، بحسب الروايات الشعبية المتداولة، إلى حادثة ‏يُقال إن سبع فتيات واجهن مصيراً مأساوياً خلال أحد الحصارات ‏التي تعرضت لها القلعة، حيث فضّلن إلقاء أنفسهن من أعلى ‏الأسوار على الوقوع في الأسر، لتتحول قصتهن إلى رمز ‏للتضحية والشجاعة، وتُخلّد في اسم أحد أبواب القلعة.‏

لكن هذه الرواية، رغم انتشارها الواسع، لا تحظى بتوثيق ‏تاريخي دقيق، ما يجعلها جزءاً من التراث الشفهي الذي شكّل ‏ذاكرة المدينة عبر الزمن.‏

فقدان التفاصيل الأصلية

وفي هذا السياق، يقول مدير آثار وتراث كركوك، رائد عطلة ‏العبيدي، في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن “قلعة كركوك تُعد من ‏أهم المواقع الأثرية في العراق، وتضم أبواباً تاريخية ارتبطت ‏بتسميات شعبية، من بينها ما يُعرف بباب البنات السبع”، مبيناً أن ‏‏”هذه التسميات تعكس الموروث الشعبي لسكان المدينة، لكنها ‏بحاجة إلى دراسة علمية دقيقة لفصل الحقيقة التاريخية عن ‏الروايات المتوارثة”.‏ 

ويضيف العبيدي، أن “القلعة شهدت عبر مراحلها التاريخية ‏الطويلة تغييرات عمرانية ومعمارية متتالية، الأمر الذي أدى إلى ‏فقدان بعض التفاصيل الأصلية، إلا أنها ما تزال تحتفظ بقيمتها ‏بوصفها أحد أهم المعالم التاريخية في كركوك”.‏

من جانبه، يقدّم الباحث الأكاديمي الدكتور عبد الكريم خليفة ‏قراءة نقدية للقصة، حيث يشير إلى أن قصة البنات السبع تندرج ‏ضمن نطاق الأساطير الشعبية التي تتشكل عادة حول المدن ‏القديمة ذات التاريخ الطويل.‏

ويوضح خليفة في حديثه لوكالة شفق نيوز، أن “غياب المصادر ‏الوثائقية يجعل من الصعب اعتمادها كحدث تاريخي مؤكد”.‏

ويضيف أن قلعة كركوك تمثل طبقات حضارية متعددة تعود إلى ‏فترات تاريخية مختلفة، ما يجعلها بيئة خصبة لنشوء الروايات ‏والأساطير التي تمزج بين الواقع والخيال، وهو أمر شائع في ‏المدن التأريخية القديمة.‏

قصة البنات السبع أصبحت جزءاً من الذاكرة الجمعية لسكان ‏كركوك، بغض النظر عن مدى دقتها التاريخية، بحسب ما يؤكده ‏الباحث في الموروث التأريخي توفيق العطار.‏

ويقول العطار في حديث لوكالة شفق نيوز، إن هذه الروايات ‏تشكل عنصراً مهماً في بناء الهوية الثقافية وربط الإنسان بمكانه ‏وتاريخه.‏

ويشير إلى أن “التاريخ الشفهي في كركوك غني جداً، ويعتمد ‏على النقل المتوارث أكثر من التوثيق المكتوب، الأمر الذي ‏ساهم في بقاء هذه القصة وغيرها من الحكايات حية حتى اليوم”.‏

حاضرة في الذاكرة

في الجانب الشعبي، يستحضر أحد سكان القلعة القديمة، عباس ‏القلعالي، هذه الرواية كما سمعها من كبار السن.‏

ويستطرد القلعالي في حديثه لوكالة شفق نيوز: “منذ طفولتنا ‏ونحن نسمع قصة البنات السبع، وكان يُقال إنهن فضّلن الموت ‏على الأسر، ولهذا سُمّي أحد أبواب القلعة بهذا الاسم”.‏

ويضيف، أن “هذه القصة أصبحت جزءاً من هوية القلعة، حتى ‏وإن اختلفت الروايات حول تفاصيلها، لكنها بقيت حاضرة في ‏ذاكرة الناس”.‏

وخلال السنوات الأخيرة، تشهد قلعة كركوك أعمال ترميم ‏وتأهيل تهدف إلى الحفاظ على طابعها التاريخي، وإبراز قيمتها ‏كأحد أهم المعالم التراثية في العراق، وسط اهتمام متزايد من ‏الباحثين والمهتمين بالآثار لدراسة تاريخها المعماري والإنساني.‏

ويرى متخصصون في الآثار، أن أهمية القلعة لا تقتصر على ‏كونها بناءً تاريخياً فحسب، بل تمتد لتكون سجلاً حيّاً لذاكرة ‏المدينة، حيث تتداخل فيه الحقائق التاريخية مع الروايات ‏الشعبية، لتشكل معاً صورة مركبة عن كركوك عبر العصور.‏

وبينما تبقى قصة “البنات السبع” محل جدل بين من يراها ‏أسطورة شعبية ومن يعتبرها رواية تاريخية محتملة، فإنها تبقى ‏جزءاً من التراث غير المادي للمدينة، وشاهداً على قدرة الذاكرة ‏الشعبية على صناعة الرموز واستمرارها عبر الزمن، لتظل قلعة ‏كركوك أكثر من مجرد حجارة، بل حكاية مدينة كاملة.‏