يونيو 17, 2026

الاقتصاد العراقي.. طموح الزيدي يصطدم بواقع القطاع الخاص “الطفيلي”

شفق نيوز- بغداد

تواجه خطة الحكومة العراقية الطموحة لخصخصة الإدارة الاقتصادية وتحفيز القطاع الخاص كوابح بنيوية وتشريعية حادة، وسط تحذيرات رسمية واقتصادية من عدم قدرة السوق المحلية على استيعاب مئات الآلاف من الخريجين الجدد، في بلد يعاني من أحد أعلى معدلات بطالة الشباب في المنطقة.

وتسعى حكومة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى قيادة انتقال هيكلي تحت عنوان “العراق 2050″ يتجاوز ما وصفه بـ”العقلية الاشتراكية” السائدة منذ خمسينيات القرن الماضي، مراهناً على “صندوق العراق للتنمية” كرافعة مالية لربط التمويل بالتشغيل والضمان الاجتماعي.

غير أن هذا التوجه يصطدم ببيئة تشريعية في مجلس النواب تسير في الاتجاه المعاكس، إلى جانب قطاع خاص يوصف بأنه “طفيلي” يعتمد كلياً على الإنفاق العام.

مؤشرات سوق العمل

وتشير بيانات مستشاري الحكومة والمنظمات الدولية إلى فجوة هيكلية بالاقتصاد العراقي البالغ 280 مليار دولار، مع تخصيص 70% من الموازنة لرواتب القطاع العام.

وسجل معدل البطالة العام نحو 15.5% خلال النصف الأول من عام 2026، صعوداً من نطاق 13.7% إلى 15.3% المحقق في عام 2025، فيما تتراوح معدلات بطالة الشباب بين 28% وتتجاوز 32% وفقاً لآخر المؤشرات، لتصنف ضمن الأعلى على المستوى الإقليمي.

وبلغت نسبة البطالة بين النساء نحو 18% وفقاً لآخر المسوح الرسمية لسوق العمل، في وقت تواجه السوق فيه ضغطاً سكانياً مع وصول التعداد لـ46 مليون نسمة، وتدفق ما بين 160 ألفاً و250 ألف خريج جامعي سنوياً.

بنية القطاع الخاص

وفي هذا السياق، يؤكد المدير التنفيذي لصندوق العراق للتنمية، محمد النجار، أن الإشكال الأساسي لا يكمن في عجز القطاع الخاص عن توليد الوظائف، بل في “طبيعة تلك الوظائف”.

ويضيف النجار لوكالة شفق نيوز، أن “القطاع الخاص في العراق استطاع أن يخلق الكثير من فرص العمل، لكنها غير قابلة للاستدامة، وذلك لاعتماد هذا القطاع على الصرف الحكومي ومقاولات الدولة. من الصعب خلق الحجم المطلوب من الوظائف حالياً لحين تشريع قوانين تتيح للقطاع العمل بشكل منفرد بعيداً عن هيمنة الدولة”.

ويوضح أن نسبة استيعاب العمالة في القطاع الخاص العراقي تظل متدنية جداً مقارنة بالدول المتقدمة التي يتولى فيها السوق تشغيل ما بين 70% إلى 90% من القوة العاملة، عازياً ذلك إلى غياب المنافسة الحقيقية ودخول الدولة كمنافس مباشر في الاقتصاد.

وتتطابق هذه الرؤية مع واقع المشهد الحضري؛ إذ تعاني آلاف المشاريع الصغيرة من صعوبات التمويل، بينما تتوسع المراكز التجارية الكبرى والمجمعات السكنية الفاخرة الموجهة للشريحة الأكثر ثراءً، مما يكرس استقطاباً حاداً ينعكس على السلوك الاستهلاكي الذي بات يستهدف سلع القمة الفاخرة أو سلع القاع منخفضة السعر الموجهة للأسر ذات الدخل المحدود.

واقع البيئة التشريعية

وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أن قدرة القطاع العام على التوظيف وصلت إلى حدودها القصوى، كشفت الممارسات التشريعية عن فجوة عميقة في الرؤية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

فخلال الفصل التشريعي الأخير، ناقش مجلس النواب 23 مسودة قانون توزعت على اللجان المختصة؛ وتبين أن نحو 70% من هذه المسودات تتضمن توجهاً مباشراً نحو زيادة الترهل الوظيفي عبر استحداث هيئات ومجالس جديدة مرتبطة أو غير مرتبطة بالوزارات، مما يعزز البطالة المقنعة ويحول الراتب الحكومي إلى أداة بقاء سياسي واجتماعي بدلاً من أن يكون وسيلة إنتاج.

وفي هذا السياق، يقول المستشار المالي والاقتصادي لرئيس مجلس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، إن “مسيرة نمو القطاع الخاص تواجه عقبات بنيوية في مقدمتها هيمنة الاقتصاد الريعي، حيث تشكل الإيرادات النفطية ما بين 90% و95% من موازنة الدولة”.

ويعتبر صالح خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، هذا الاعتماد المطلق “حدّ من نمو القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة، وحوّل الوظيفة الحكومية في المخيال العام إلى تعويض سياسي عن فشل الاقتصاد في خلق الفرص”.

ويضيف أن بيئة الأعمال ما زالت تعاني من الفساد الإداري، وتراجع البنية التحتية الصناعية، وتعطل المصانع، وضعف التمويل الموجه للمشروعات الصغيرة، مؤكداً أن برنامج “العراق 2050” يسعى لمعالجة هذا الخلل عبر ثلاثية (التمويل، والتشغيل، والضمان الاجتماعي) للتعامل مع مؤسسات السوق المنظمة حصراً.

رؤية التنويع الاقتصادي

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي، صفوان قصي، أن تجاوز صدمة الاعتماد الكامل على النفط – والتي ظهرت خطورتها مع التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز – يتطلب توجيه رجال الأعمال المستوردين ليتحولوا إلى منتجين.

ويقول قصي لوكالة شفق نيوز، إن “العراق يمتلك فرصة لتصفير البطالة إذا ما تم إعداد خرائط استثمارية تخصصية تمنح هوية اقتصادية لكل محافظة بناءً على ميزاتها التنافسية، بالتزامن مع مشاريع طريق التنمية والمدن الجديدة، والتحول من الاستيراد إلى الاكتفاء والتصدير عبر شراكات واعدة مع الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، ودول الخليج”.

وشدد قصي في الختام على ضرورة تفعيل النظام المصرفي لتمويل القطاع الخاص النظامي، حيث ما زالت معظم المصارف العراقية تواجه عقبات تتعلق بالامتثال الدولي والقدرة على منح الائتمان طويل الأجل.

رؤية العراق 2050

وأطلقت الحكومة العراقية رسمياً “رؤية العراق 2050 نحو التنمية والمستقبل” في 20 أيلول/ سبتمبر 2025 برعاية رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني.

ويهدف هذا البرنامج الاستراتيجي الشامل الممتد لثلاثة عقود إلى إحداث تحول جذري في بنية الاقتصاد الوطني عبر معالجة الفجوات والاختلالات الهيكلية للمؤسسات، والخروج من عباءة الاقتصاد الريعي المعتمد كلياً على النفط.

وترتكز الرؤية على تنويع مصادر الدخل القومي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاعات الغذاء والطاقة بنسبة 70% عبر مبادرات خضراء مستدامة، بالإضافة إلى دفع عجلة المشاريع الكبرى مثل “طريق التنمية”.

وضماناً لاستدامة البرنامج وعدم تأثره بتغير الإدارات، أعلن رئيس الوزراء علي الزيدي في حزيران/ يونيو 2026 توجه حكومته لتحويل هذه الرؤية التنموية إلى “صيغة قانون ملزم” يعرض على مجلس النواب، مما يجعله خطة استراتيجية عابرة للحكومات المتعاقبة تؤسس لمستقبل مستقر وقائم على الحوكمة الرشيدة والمعرفة.