يونيو 19, 2026

“قنبلة الخريجين”.. لماذا يعجز اقتصاد العراق عن خلق فرص عمل؟

شفق نيوز- بغداد

رغم امتلاك العراق موارد نفطية ومالية ضخمة، ما تزال البلاد تواجه تحديات مزمنة في جذب الاستثمارات وخلق فرص العمل، في وقت تتزايد فيه الضغوط على سوق العمل مع دخول ما بين 160 – 250 ألف خريج سنوياً، وبلوغ عدد السكان نحو 46 مليون نسمة.

وتأتي هذه التحديات بالتزامن مع استمرار اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط الذي يشكل ما بين 90 – 95% من الإيرادات العامة، فيما تذهب نحو 70% من الإنفاق العام إلى الرواتب والأجور، بحسب بيانات حكومية ومستشارين اقتصاديين. 

وتظهر المؤشرات الرسمية تبايناً في قراءة واقع سوق العمل، ففي حين أعلنت وزارة التخطيط تراجع معدل البطالة إلى نحو 13% خلال عام 2025، تشير تقديرات أخرى إلى أن المعدل ارتفع إلى 15.5% خلال النصف الأول من عام 2026، بينما تتراوح بطالة الشباب بين 28 و32%، وهي من أعلى المعدلات في المنطقة.

وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي الدولي نوار السعدي، إن مسؤولية ضياع الفرص الاستثمارية وتفاقم البطالة “لا يمكن حصرها بعامل واحد”، معتبراً أن المشكلة نتاج تداخل بين ضعف الكفاءة الإدارية والفنية وهيمنة الاعتبارات السياسية على إدارة الدولة.

ويضيف السعدي لوكالة شفق نيوز، أن العراق يمتلك موارد مالية وطبيعية وبشرية كبيرة، “لكن الكثير من المؤسسات ما زالت تُدار بعقلية المحاصصة بدلاً من معايير الكفاءة والإنجاز، ما يؤدي إلى تأخير المشاريع وضعف تنفيذ الخطط التنموية وإهدار فرص استثمارية كان يمكن أن توفر آلاف الوظائف”.

ويشير إلى أن مؤسسات دولية، بينها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تربط استمرار البطالة المرتفعة في العراق بمحدودية قدرة القطاع الخاص على النمو وخلق فرص العمل، واستمرار الاعتماد على القطاع العام والنفط كمحرك رئيسي للاقتصاد.

هيكلية الإنفاق العام

وتتبنى الحكومة العراقية في المقابل خططاً لإعادة هيكلة الاقتصاد ضمن رؤية “العراق 2050″، التي تستهدف تنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على النفط وتعزيز دور القطاع الخاص، فيما تؤكد وزارة التخطيط أنها تعمل على توسيع قاعدة الاستثمار وتحريك القطاعات الإنتاجية وتوجيه الإنفاق نحو المشاريع ذات القيمة المضافة.

كما تتجه وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إلى تعزيز برامج التدريب المهني والدفع نحو تشريع قانون “المجلس الأعلى للتدريب”، لمعالجة الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، في ظل تأكيدها أن القطاع الخاص بات يبحث بصورة متزايدة عن المهارات المهنية والتقنية.

لكن خبراء يرون أن المشكلة تتجاوز ملف التدريب إلى طبيعة البيئة الاقتصادية والاستثمارية نفسها، حيث يقول الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي، إن الحكومات العراقية المتعاقبة “لم تنجح في تأسيس كيانات اقتصادية مستقرة أو بيئة جاذبة للاستثمارات أو تشريعات تسهل حركة الأموال والاستثمارات وتدعم تنوع القطاعات الاقتصادية”.

ويضيف الهاشمي لوكالة شفق نيوز، أن الأحزاب السياسية تتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية “بعد تحويل الوزارات والهيئات الحكومية والشركات العامة إلى مناطق نفوذ ومصادر لتحقيق المكاسب المالية”، مبيناً أن ذلك أدى إلى تراجع كفاءة المؤسسات وتعطل القرارات الاقتصادية المهمة وتوسع الفساد والترهل الوظيفي.

وبحسب الهاشمي، فإن العراق “ينفق مبالغ كبيرة على الجوانب التشغيلية مقابل قصور واضح في الإنفاق الاستثماري القادر على تحريك القطاعات الاقتصادية غير النفطية”، مشيراً إلى أن معالجة الأزمة تتطلب إصلاحات تقلص نفوذ القوى السياسية على مؤسسات الدولة وتمنح الحكومات مساحة أوسع لتنفيذ خطط اقتصادية طويلة الأمد.

تحديات الاستثمار الأجنبي 

وتنعكس هذه التحديات على أداء القطاع الخاص الذي يؤكد مسؤولون حكوميون أنه ما يزال غير قادر على استيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن العمل.

وقال المدير التنفيذي لصندوق العراق للتنمية، محمد النجار، في تصريحات سابقة لوكالة شفق نيوز، إن القطاع الخاص العراقي نجح في خلق فرص عمل، لكنها تظل محدودة الاستدامة بسبب اعتمادها على الإنفاق الحكومي ومشاريع الدولة، مشيراً إلى أن قدرة السوق على خلق الوظائف ستبقى مقيدة ما لم تنجز إصلاحات تشريعية تسمح للقطاع الخاص بالعمل بصورة مستقلة عن الدولة.

وفي ملف الاستثمار، برزت خلال السنوات الماضية عدة مشاريع كبرى واجهت تعثراً أو انسحابات لشركات أجنبية.

وكانت وزارة الصناعة والمعادن قد أعلنت في شباط/ فبراير 2024 انسحاب شركة شل من مشروع النبراس للبتروكيماويات في البصرة، الذي خُطط له ليكون من أكبر مشاريع البتروكيماويات في الشرق الأوسط بطاقة إنتاجية تصل إلى 1.8 مليون طن سنوياً.

كما شهد مشروع مدينة بسماية السكني انسحاب شركة هانوا الكورية عام 2020 قبل أن تعود لاحقاً بعد التوصل إلى تفاهمات جديدة مع الحكومة العراقية بشأن الجوانب المالية والتنفيذية للمشروع.

وتشير تقارير اقتصادية إلى أن عدداً من المستثمرين الأجانب يواجهون تحديات تتعلق بالإجراءات الإدارية المعقدة، وضعف الحوكمة، والفساد، فضلاً عن مخاطر أمنية واجتماعية ترفع كلفة الاستثمار وتؤثر في قرارات الشركات بشأن التوسع داخل العراق.

واقع القطاعات الإنتاجية

من جانبها، ترى نائب رئيس لجنة الاستثمار النيابية السابقة سوزان منصور، أن السياسات الاستثمارية ركزت خلال السنوات الماضية على المشاريع السكنية أكثر من تركيزها على القطاعات الإنتاجية.

وتقول منصور لوكالة شفق نيوز، إن معظم الاستثمارات اتجهت نحو القطاع السكني، في حين أن الاستثمار الصناعي والزراعي “كان الأجدر بالدعم لأنه يوفر فرص عمل واسعة للشباب ويسهم في زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد”.

وتضيف أن الجهات المعنية بالاستثمار، سواء الهيئة الوطنية للاستثمار أو هيئات المحافظات والوزارات القطاعية، مطالبة بإعادة توجيه الأولويات نحو المشاريع القادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي وتوفير فرص العمل وتعظيم العائدات الاقتصادية.

وتشير منصور في ختام حديثها إلى أن العراق ما يزال يستورد جزءاً كبيراً من احتياجاته الغذائية والاستهلاكية، في وقت يواجه فيه المزارعون تحديات تتعلق بتوفير المستلزمات الزراعية وتسويق المنتجات المحلية.