منذ تأسيس الدولة العراقية لم يكن العراق دولة فقيرة تبحث عن كنز ضائع، بل كان كنزاً يبحث عمّن يعرف كيف يديره. أرضٌ تختزن النفط والغاز والكبريت والفوسفات والمياه والزراعة والموقع الجغرافي، حتى ليخيّل للمرء أن الطبيعة وقّعت للعراق شيكاً مفتوحاً ثم جلست تنتظر منه أن يملأ الأرقام بنفسه.
لكن يبدو أن العراق كان يملك موهبة نادرة وهي القدرة على تحويل الوفرة إلى أزمة والإمكانات إلى ملفات مؤجلة والثروة إلى أحاديث في نشرات الأخبار.
فعلى مدى عقود لم يكن السؤال كيف نصنع اقتصاداً منتجاً؟ بل كيف ننجو من الأزمة القادمة؟ ثم عندما تأتي الأزمة يصبح السؤال من أين نسد العجز؟ وكأن الدولة تعيش في سباق دائم مع حفرة تحفرها بيدها ثم تبحث عمّن ينقذها منها.
وإذا كان بعض الشعوب قد استثمرت في الإنسان حتى صنعت من الفقر قوة، فإننا كثيراً ما استثمرنا في الخلافات حتى صنعنا من القوة ضعفاً. فالدول لا تُقاس بما تحت الأرض فقط بل بما يوجد في العقول فوق الأرض. والنفط وحده لا يبني أمة تماماً كما أن امتلاك مكتبة ضخمة لا يجعل صاحبها عالماً.
ولعل المفارقة الأجمل أن البعض يطالب اليوم بصناعة لاعب كرة قدم ينافس العالم، بينما الدولة نفسها لم تحسم بعد معركتها مع أبسط متطلبات التنمية. فكيف نصنع لاعباً عالمياً في بيئة ما زالت تتعثر في صناعة المدرسة النموذجية والمدينة النموذجية والمؤسسة النموذجية؟
لقد وصف الدكتور علي الوردي الشخصية العراقية بأنها تعيش صراعاً بين قيم متناقضة وبين المثال والواقع وبين ما يُقال وما يُمارس. وإذا كانت الدولة خلال أكثر من قرن لم تنجح تماماً في بناء منظومة تغيّر هذا الواقع الاجتماعي وتستثمر طاقات الإنسان العراقي كما ينبغي، فكيف نطالبها فجأة بإنتاج لاعب ينافس مدارس رياضية أمضت عقوداً في التخطيط والعلم والانضباط؟
اللاعب العالمي ليس موهبةً تركض خلف كرة فقط بل هو نتاج مدرسة وأسرة ومؤسسة ونظام صحي وتربوي ورياضي وإداري. إنه آخر حلقة في سلسلة طويلة من النجاح وليس معجزةً تهبط من السماء.
ولهذا، قبل أن نسأل لماذا لا نملك لاعباً ينافس العالم؟ ربما علينا أن نسأل لماذا لم نستطع حتى الآن أن نحوّل ثرواتنا الهائلة إلى دولة يشعر فيها المواطن أن بلده غني كما تقول الأرقام؟
فالأمم لا تصنع الأبطال بالهتافات ولا تبني المستقبل بالثروات المدفونة وحدها، بل بالإدارة والعلم والانضباط. أما نحن فما زلنا في كثير من الأحيان نتعامل مع الثروة كمن ورث بستاناً كاملاً ثم قضى عمره يبيع الأشجار واحدةً تلو الأخرى وهو يتساءل باستغراب لماذا لا يزداد الظل؟